accessibility

قرار تفسير رقم (2) لسنة 2014

قرار تفسير رقم (2) لسنة 2014

الصادر عن المحكمة الدستورية المنعقدة برئاسة نائب الرئيس السيد فهد ابو العثم النسور وعضوية السادة : احمد طبيشات والدكتور كامل السعيد وفؤاد سويدان ويوسف الحمود والدكتور عبد القادر الطوره والدكتور محمد سليم الغزوي ومنصور الحديدي والدكتور نعمان الخطيب.

وقد تنحّى عن المشاركة بالنظر في طلب التفسير كل من رئيس المحكمة السيد طاهر حكمت والسيد مروان دودين استنادا للمادة ( 132/ 2 ) من قانون اصول المحاكمات المدنية لانهما كانا عضوين في مجلس الامة السادس عشر، كما تنحّى الدكتور خلف الرقاد عن المشاركة في طلب التفسير استنادا للمادة ( 135 ) من القانون المشار اليه لاستشعاره الحرج.

بناء على طلب من مجلس الوزراء بقراره المتخذ في جلسته المنعقدة بتاريخ 24/ 9/ 2014 اجتمعت المحكمة بتشكيلها أعلاه لتفسير المواد ( 52 ، 65 /1 و 66 و 68/ 1 و 75/ 2 و 76و 78/ 3 و 93/ 2 ) من الدستور وبيان ما إذا كانت تجيز:

1- اخضاع مدة العضوية في مجلس الامة للتقاعد المدني.

2- ما إذا كان يجوز ان ينص قانون ذو أثر مالي على سريان مفعوله بأثر رجعي لتعديل مراكز قانونية اكتملت في ظل سريان قانون سابق وبما يرتب زيادة في النفقات العامة.

وبالرجوع الى النصوص الدستورية موضوع طلب التفسير نجد أنها تنص على ما يلي:

المادة: (52):

لرئيس الوزراء أو للوزير الذي يكون عضوا في احد مجلسي الاعيان والنواب حق التصويت في مجلسه وحق الكلام في كلا المجلسين، أما الوزراء الذين ليسوا من أعضاء احد المجلسين فلهم ان يتكلموا فيهما دون أن يكون لهم حق التصويت وللوزراء أو من ينوب عنهم حق التقدم على سائر الأعضاء في مخاطبة المجلسين والوزير الذي يتقاضى راتب الوزارة لا يتقاضى في الوقت نفسه مخصصات العضوية في أي من المجلسين.

المادة  (65/1):

مدة العضوية في مجلس الأعيان أربع سنوات ويتجدد تعيين الأعضاء كل أربع سنوات ويجوز إعادة تعيين من انتهت مدته منهم.

المادة  (66):

1- يجتمع مجلس الأعيان عند اجتماع مجلس النواب وتكون أدوار الانعقاد واحدة للمجلسين.

2- اذا حل مجلس النواب توقف جلسات مجلس الأعيان.

المادة  (68/1):

مدة مجلس النواب أربع سنوات شمسية تبدأ من تاريخ إعلان نتائج الانتخاب العام في الجريدة الرسمية وللملك أن يمدد مدة المجلس بإرادة ملكية الى مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد على سنتين.

المادة  (75/2):

يمتنع على كل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء مدة عضويته التعاقد مع الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الحكومة أو أي مؤسسة رسمية عامة سواء كان هذا التعاقد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستثناء ما كان من عقود استئجار الأراضي والأملاك ومن كان مساهما في شركة اعضاؤها أكثر من عشرة أشخاص .

المادة  (76):

مع مراعاة أحكام المادة ( 52) من هذا الدستور لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الأعيان أو النواب وبين الوظائف العامة ويقصد بالوظائف العامة كل وظيفة يتناول صاحبها مرتبه من الأموال العامة ويشمل ذلك دوائر البلديات وكذلك لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الأعيان ومجلس النواب .

المادة  (78/3):

تبدأ الدورة العادية لمجلس الأمة في التاريخ الذي يدعى فيه الى الاجتماع وفق الفقرتين السابقتين، وتمتد هذه الدورة العادية ستة أشهر، إلا إذا حل الملك مجلس النواب قبل انقضاء تلك المدة، ويجوز للملك ان يمدد الدورة العادية مدة أخرى لا تزيد على ثلاثة أشهر لإنجاز ما قد يكون هنالك من أعمال، وعند انتهاء الأشهر الستة أو أي تمديد لها يفض الملك الدورة المذكورة .

المادة  (93/2):

يسري مفعول القانون بإصداره من جانب الملك ومرور ثلاثين يوما على نشره في الجريدة الرسمية إلا إذا  ورد نص خاص في القانون على أن يسري مفعوله من تاريخ آخر.

وترى المحكمة ابتداءً أنه لا يرد القول أن طلب رئيس الوزراء لا يعدو ان يكون مجرد استشارة او طلب ابداء رأي، بل ان قراءة هذا الطلب يجب ان تكون قراءة متكاملة وليست مجتزأ ة باعتماد فقرة بمعزل عن القراءة الشاملة لمضمون هذا الطلب، الأمر الذي ترى معه المحكمة ان كتاب رئيس الوزراء هو عبارة عن طلب تفسير لنصوص دستورية وليس طلب استشارة أو إبداء رأي.

وبالتدقيق فإن ما يمكن استخلاصه من هذه النصوص لبيان ما إذا كان يجوز إخضاع مدة العضوية في مجلس الأمة للتقاعد المدني أنه لا بد بداية من تحديد النظام القانوني الذي تخضع له الوظيفة العامة وفيما إذا كان هذا النظام هو نفسه الذي يخضع له أعضاء مجلس الامة وان طبيعة العلاقة بين هاتين الجهتين وبين الدولة هي علاقة واحدة أم لا.

وبالرجوع الى المادة ( 76 ) من الدستور نجد أنها قد أوضحت أن ما يقصد بالوظائف العامة كل وظيفة يتناول صاحبها مرتبه من الاموال العامة، ويشمل ذلك دوائر البلديات، كما اوضحت المادة ( 22 ) من الدستور ان لكل اردني حقا في تولي المناصب العامة بالشروط المعينة في القانون او الانظمة وان التعيين في الوظائف العامة من دائمة ومؤقتة يكون على اساس الكفايات والمؤهلات.

وقد بينت المادة ( 120) من الدستور ان كيفية تعيين الموظفين وعزلهم او الاشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك، وما ذلك الا تكريس لاستقلال السلطة التنفيذية وحفاظ على ارتباط الموظف بها، فهي التي تُصدر الانظمة التي تحدد المركز القانوني للموظف بدءا من القواعد التي تحكم تعيينه بالوظيفة العامة وانتهاء بالكيفية التي تنتهي فيها وظيفته بالعزل او التقاعد او الوفاة او بغير ذلك، وهي التي تحدد حقوقه المالية وابرزها  تحديد راتب دوري له في مقابل تفرغه التام للعمل الوظيفي وعدم ممارسته اي عمل آخر. فهناك ربط دائم بين الراتب والموظف، بحيث لا يعرَّف الراتب الا مقترنا بالموظف، فإذا ما انقضت علاقة الموظف بالوظيفة وانقضى راتبه الوظيفي، فإن المشرع وفق شروط محددة لا يجوز تجاوزها او مخالفتها، وفي مقابل تفرغه الطويل للوظيفة دون اي عمل آخر خلالها، ولكونه يصبح عاجزا عن العمل بعد انتهاء خدمته، فقد خصّه المشرع براتب تقاعدي لسدّ حاجته وحاجة اسرته.

ولقد بات مستقرا بأن علاقة الموظف بالدولة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين والانظمة والتعليمات الصادرة بهذا الخصوص، وان تعديل احكام هذه العلاقة والتقّيد بها هو اجراء تنظيمي عام، ومركز الموظف من هذه الجهة ما هو الا مركز قانوني عاما يجوز تعديله في أي وقت، فالموظف العام وفق ما يعرفه الفقه والقضاء هو الشخص الذي يعهد اليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة او احد اشخاص القانون العام، مما يعني ان الشروط والعناصر التي يجب توفرها في الموظف العام هي ان يتم تعيينه من السلطة المختصة بوظيفة دائمة في خدمة مرفق عام تديره الدولة بشكل مباشر او غير مباشر من احد اشخاص القانون العام ، متفرغا للوظيفة التي تم تعيينه فيها .

وإذا كان الامر كذلك بالنسبة للموظف او الوظيفة العامة فإن الامر يختلف بالنسبة للعلاقة بين مجلس الامة وبين الادارة، ذلك ان هذه العلاقة محكومة بمبدأ الفصل بين السلطات وبطبيعة المهام التي يمارسها مجلس الامة، وذلك بالرقابة على السلطة التنفيذية واصدار التشريعات كونه نائبا عن الشعب في اداء هذه المهام وبما يتعارض ان يكون عضو مجلس الامة موظفا عاما وفق ما اسلفنا.

وقد اكد الدستور هذه الحقيقة حين اوضح بشكل قاطع في المادة (76) من الدستور انه لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الاعيان او النواب وبين الوظيفة العامة، ولو كان عضو مجلس الامة موظفا او يجوز اعتباره كذلك لما كان المشرع الدستوري قد أورد الحظر المشار اليه لتعارض طبيعة عمل المجلس مع طبيعة الوظيفة العامة.

ومن جهة اخرى فقد حدد الدستور بالمادتين ( 78/ 3 ، 82) الاوقات التي يمارس فيها مجلس الامة مهامه، وهي مدد محددة لا تقتضي التفرغ الكامل لأدائها وبما يتيح لأي عضو من اعضاء مجلس الامة ممارسة اي عمل او مهنة خاصة لا تتعارض مع طبيعة عمله وذلك على خلاف الوظيفة العامة التي تقتضي التفرغ التام لأدائها، وبما لا يجوز ممارسة عمل آخر معها، وذلك في مقابل تقاضي شاغلها راتبا دوريا.

وإذا كان الدستور قد حظر الجمع بين عضوية مجلس الأمة والوظيفة العامة في المادة ( 76 ) منه، فإنه قد اوضح بالمادة ( 52) ان ما يتقاضاه عضو مجلس الامة هو مخصصات للعضوية لقاء ما ينفقه العضو في سبيل اداء عمله.

ولا بد  من الاشارة هنا ان الفقرة الثالثة من المادة ( 129 ) من الدستور قد ابقت على القوانين والأنظمة التي كانت نافذة في ظل دستور سنة 1946 المُلغى، ومن بين هذه القوانين قانون مخصصّات اعضاء مجلس الامة رقم ( 17 ) لسنة 1947 الصادر بتاريخ 21/ 5/ 1947 والذي لا زال ساريا حتى الآن، حيث نصت المادة الثانية من هذا القانون بكل وضوح على ما يلي: ( يعتبر ما يتقاضاه اعضاء مجلس الامة مخصصات لا رواتب) وذلك تأكيدا من هذا القانون النافذ أن أعضاء مجلس الامة ليسوا موظفين وانهم بالتالي لا يستحقون رواتب تقاعدية.

ولا يرد القول بأن الوضع القانوني للوزير هو ذات الوضع القانوني لعضو مجلس الامة ذلك ان الوزير يتقاضى راتبا بموجب نص المادة ( 52 ) من الدستور ويشغل وظيفة بمقتضى المادة ( 55 ) من الدستور ومتفرغا لعمله الوزاري بمقتضى احكام المادة ( 44) من الدستور منه والتي تنص على انه:

(لا يجوز للوزير ان يشتري او يستأجر شيئا من املاك الحكومة ولو كان ذلك في المزاد العلني كما لا يجوز له اثناء وزارته ان يكون عضوا في مجلس ادارة شركة ما ، أو أن يشترك في أي عمل تجاري أو مالي أو أن يتقاضى راتبا من أي شركة).

وتأسيسا على ما تقدم فان محكمتنا ترى ان عضوية مجلس الامة او مدتها غير خاضعة للتقاعد، الأمر الذي يترتب عليه عدم استحقاق اعضاء مجلس الامة للرواتب التقاعدية مع عدم المساس بالحقوق المكتسبة.

 وجوابا على السؤال الثاني فإن ما يستخلص من الفقرة الثانية من المادة (93) من الدستور ان المشرع الدستوري قد أرسى قاعدة جوهرية بالنسبة لسريان القانون، الا وهي نفاذه بأثر مباشر وذلك بعد مرور ثلاثين يوما على نشره في الجريدة الرسمية، الا انه واستثناء من ذلك أجاز ايراد نص خاص في القانون يجوز معه ان يسري مفعوله من تاريخ آخر قد يكون قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية ، او بعد المدة المحددة في النص.

ومؤدى ذلك ان الاصل في نفاذ القوانين لا يكون الا بعد نشرها في الجريدة الرسمية وعدم رجعيتها، وإن الاستثناء هو رجعية القوانين او نفاذها بتاريخ غير التاريخ المقرر بالدستور، ولا يكون هذا الاستثناء الا بناء على نص يورده المشرع في صلب القانون.

ويقصد بعدم الرجعية عدم سريان القانون الصادر على ما تم من مراكز قانونية اكتملت في ظل قانون سابق . فقد بات مقررا ان ما تم من اوضاع في ظل القاعدة القانونية يكون محكوما بهذه القاعدة، وان القانون الجديد لا يمس ما توافر قبله من تكوين او انقضاء لأي مركز قانوني، وبذلك فإنه وعند عدم وجود نص صريح على رجعية احكام القانون الجديد فإن القانون القديم هو الذي يحكم الأعمال التي تمت نهائيا في وقت سريانه ولا يكون للقانون الجديد تأثير على الوقائع التي جرت قبل العمل به خاصة اذا كان سريانه يؤثر في حقوق الافراد التي اكتسبوها بحكم القانون القديم.

واذا كانت عدم رجعية القانون هي الاصل ، وان رجعيته هي الاستثناء فإن هذا الاستثناء لا يكون الا بناء على نص في القانون ولأمر تقتضيه الضرورة او المصلحة العامة.

وتأسيسا على ما تقدم، فإن محكمتنا تذهب في تفسيرها لاحكام المادة ( 93/ 2 ) من الدستور الى انه لا يجوز ان ينص قانون ذو اثر مالي على سريان احكامه بأثر رجعي لتعديل مراكز قانونية اكتملت في ظل قانون سابق وبما يرتب زيادة في النفقات العامة، وان تلك المراكز تبقى محكومة بالقواعد التي تضمنها القانون القديم الذي نشأت تلك المراكز في ظله، وهذا ما تقرره المحكمة في تفسير النصوص الواردة في الطلب .

قرارا صدر بالأغلبية بتاريخ الرابع والعشرين من محرم لسنة 1436 هـ

الموافق السابع عشر من  تشرين الثاني لسنة 2014م

قرار المخالفة الصادر عن العضو د. عبدالقادر الطورة في طلب التفسير رقم (2) لسنة 2014

أخالف الأغلبية المحترمة فيما ذهبت إليه في الرد على السؤال الأول بشأن جواز إخضاع مدة العضوية في مجلس الأمة للتقاعد المدني،  والتصدي له، والبحث فيه، موضوعا كطلب تفسير دون وجود أي نص ( تشريعي مكتوب ) في الدستور يتعلق بـ " التقاعد " على وجه الخصوص، ودون النظر إلى وجه الاختلاف البين بين " العمل " و " التقاعد " إن جاز التعبير. ولعل الأصح والأوضح أن أقول بين " حياة الإنسان العملية " و " حياته التقاعدية "، والتفريق بينهما في الأحوال والأوضاع والأحكام، رغم ما بينهما من ارتباط في كثير من الشروط والحسابات، ومن اختلاط وتشارك في كثير من العبارات والمصطلحات، واستناد الثانية منهما على الأولى خاصة فيما يعرف بـ " اقتطاعات التقاعد " في قوانين التقاعد ، وما يعرف بـ " الاشتراكات " في قوانين الضمان الاجتماعي .

ذلك أن اختصاص المحكمة الدستورية، من هذه الناحية المتعلقة بالتفسير، ينطوي على تفويض من السلطة الأصلية للتشريع الدستوري بتفسير الدستور، ويتضمن تحديدا وحصرا لهذا الاختصاص بـ " نصوص الدستور " فقط وفقا لصراحة النص في المادة 59/ 2 من الدستور وما تأكد في المادة 4/ ب من قانون المحكمة الدستورية، وتعزز في المادة 17 من القانون ذاته. بما يعني -يقينا- أن هذا التفسير الذي تتولاه المحكمة هو من نوع " التفسير التشريعي " الذي يعتبر انه صدر مع التشريع الذي يفسره، ويسري على الحالات القانونية التي لم يفصل فيها، دون أن يكون له اثر رجعي على ما تم الفصل به من حالات قانونية قبل نفاذه. بينما "التفسير القضائي " الذي تتولاه المحاكم في معرض النظر في القضايا المنظورة يسري على كل حالة بعينها وملزم فيها فقط، وبينما " التفسير الفقهي " الذي يتولاه الفقهاء وان كان لا يتناول حالات خاصة كما يفعل القضاء وإنما يستخلص قواعد عامة، فهو تفسير نظري " إرشادي" غير ملزم.

والإجماع -فقها وقضاء- منعقد ومستقر على أن مجال " التفسير القضائي " و " التفسير الفقهي " يتسع ويشمل كافة القواعد القانونية أيا كان مصدرها سواء كان تشريعا أو عرفا. وأن مجال " التفسير التشريعي " محدد ومحصور في النصوص التشريعية فقط على اعتبار أن التشريع يأتي بالمعنى واللفظ معا، أما القواعد القانونية المستمدة من مصادر أخرى فلا حاجة بها إلى تفسير لأنها عبارة عن معنى يستقر في الأذهان لا يقيده لفظ خاص.

وبالمناسبة، في معرض الحديث عن اختصاص المحكمة الدستورية بتفسير الدستور، فلا بد من الإشارة إلى انه بالإضافة لهذا الاختصاص بـ " التفسير التشريعي " المحدد المحصور في نصوص الدستور التشريعية ( المكتوبة ) فقط دون العرف الدستوري بموجب النصوص المشار إليها أعلاه الذي عرضت له فيما تقدم، هناك اختصاص آخر بتفسير الدستور تتولاه المحكمة الدستورية حكما تبعا لولايتها القضائية في اختصاصها الأصلي المتمثل في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ، في معرض النظر في الطعون التي تقدم بهذا الخصوص والفصل فيها وفقا لأحكام القواعد الدستورية أيا كان مصدرها وسواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة. وهو هذا الاختصاص الأخير بتفسير الدستور- من نوع آخر مختلف، هو من قبيل " التفسير القضائي " الذي يشمل جميع القواعد الدستورية سواء كانت تشريعية ( مكتوبة ) ام عرفية أو مستمدة من مبادئ أساسية عليا ( غير مكتوبة )، والذي -هذا التفسير القضائي الأخير- لا يسري إلا على الحالة الخاصة التي ورد بشأنها وغير ملزم فيما سواها .

بمعنى أن اختصاص المحكمة الدستورية في تفسير الدستور على نوعين اثنين : حدهما " التفسير القضائي " الشامل لجميع القواعد الدستورية أيا كان مصدرها وسواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة ، وغير ملزم إلا في الحالة الخاصة التي ورد فيها ، وهو اختصاص تبعي تتولاه المحكمة بحكم طبيعتها وولايتها القضائية في النظر والفصل في الطعون بعدم الدستورية ، وهو الذي لا يعنينا في هذا المقام أما الثاني: فهو " التفسير التشريعي " المحدد المحصور في التشريع الدستوري ( النصوص الواردة في الدستور المكتوب ) وله قوة النصوص الدستورية المفسرة المكتوبة ، وهو اختصاص تفويضي تتولاه المحكمة بموجب النصوص المشار إليها أعلاه وخاصة النص الدستوري منها. وهو ما يعنينا في هذا المقام ويستوجب منا أولا أن نحدد معنى ومفهوم " التقاعد " محل طلب التفسير في السؤال الأول ، كما يستوجب منا ثانيا أن نبحث بل ندقق ونمعن النظر في النصوص الدستورية الواردة في طلب التفسير، وفي غيرها من النصوص الدستورية الأخرى الواردة في الدستور ( المكتوب ) ، لنتحرى عما اذا كان منها هناك نص أو نصوص دستورية مكتوبة تتعلق بـ " التقاعد " بما هيته وحقيقة معناه الاصطلاحي. فإن وجد نص أو نصوص دستورية من هذا القبيل اقتضى تفسيرها ، وان لم يوجد فلا مجال ولا محل للتفسير إطلاقا.

وبالوقوف عند كلمة " التقاعد " واصلها اللغوي " قعد " أجد أن ابرز معانيها اللغوية " عدم العمل " أي أن " التقاعد " عكس " العمل " بالنسبة لحياة الإنسان وأحواله ومراحله العمرية. ومن شأن " العمل " أن يكون له مقابل أي مردود مادي، غالبا ما يكون نقديا ، يشكل مورد رزق الإنسان في مجال المهن والأعمال الحرة أو في مجال العمل لدى الغير سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام. ومن ابرز مسميات هذا " المقابل " أو " المردود ": الأرباح والأجور والرواتب والبدلات والمخصصات و " العمل " بهذا المعنى ، بمختلف أشكاله وأنواعه ، وبمختلف أهدافه وغاياته ، هو محور حياة الإنسان وأساس وجودها على مستوى الأفراد والجماعات ، وهو مصدر بل محل الغالبية العظمى من العلاقات الإنسانية التي تنظمها الغالبية العظمى من القوانين وعلى رأسها الدستور ونخص منها في مجال العمل الحر بصورة عامة " القانون المدني " وما يلحق به من قوانين خاصة أخرى ، كما نخص منها في مجال العمل لدى الغير " قانون العمل " بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص ، و" ونظام الخدمة المدنية " وما يلحق به من أنظمة خدمة مدنية خاصة بالنسبة للعاملين في القطاع العام .

   وبطبيعة الحال فلن يكون " العمل " إلا اذا كان الإنسان قادرا عليه . وحسب طبائع الأشياء الإنسانية فإن الإنسان يكون قادرا على العمل في مرحلة من العمر يتجاوز فيها حد الطفولة أي بعد البلوغ غير المحدد وسن الرشد المحدد قانونا وحتى بلوغه -أي وصوله- إلى سن الشيخوخة المختلف من شخص إلى آخر والمحدد قانونا بسن معين على العموم في بعض الأحوال. على أن قدرة الإنسان الطبيعية على العمل في هذه المرحلة من العمر ، قد يحصل في اثنائها عائق ما أو ظرف ما يحول بينه وبين القدرة على العمل والحصول على مردود منه، في فترة محددة أو طوال مرحلة العمل الطبيعية من العمر هذا .

وبذلك فإن " التقاعد " عكس "العمل " ومختلف عنه في المفهوم باعتباره ( التقاعد ) تعبيرا اصطلاحيا عن حالة عجز الإنسان وعدم قدرته على العمل والحصول على مردود منه ، وافتراض عدم توفر مورد رزق له بسبب الشيخوخة أو الإعاقة الجسدية أو العقلية وربما بسبب تعذر الحصول على فرصة عمل ( البطالة) كما هو الحال في الدول المتقدمة وتسعى إليه الشعوب في الدول النامية ، بحسب تطور واتساع نطاق مفاهيم التقاعد الحديثة وانتقالها إلى دائرة الضمان الاجتماعي والتأمينات الاجتماعية الارحب والأوسع. ولذلك ، فإن " التقاعد " يخضع لتنظيم تشريعي خاص به يواكب تطور واتساع نطاق مفاهيمه على النحو المشار إليه ومراعاة أحوال ارتباطه واستناده لنصوص في تشريعات أخرى مختلفة عنه في المحتوى والمضمون وفي الأحوال والأوضاع التي تنظمها، واخص منها أحوال وأوضاع " العمل العام " سواء كان مؤقتا أو دائما ، وسواء كان بتقطع ( حضور جلسات مثلا ) أو باستمرار وتواصل ، وسواء بتفرغ كامل أو بغير تفرغ ، وسواء كان مقابل مخصصات " محددة أو " رواتب " ثابتة مستمرة مستقرة بصورة منتظمة .

   وبالرجوع إلى التشريعات الأردنية بخصوص " التقاعد " نجده عنوانا لقانون خاص به ، محصور محدد بالموظفين العامين ، منذ نشأة الدولة الأردنية. وهو " قانون تقاعد مأموري الكلية ( العثماني ) الذي بقي معمولا به حتى حل محله " قانون التقاعد رقم 3 لسنة 1941 " والذي بقي معمولا به إلى أن حل محله بالنسبة للموظفين العامين العسكريين ( الضباط والأفراد ) قوانين تقاعد عسكري متتالية تمثلت بالقانون رقم 10 لسنة 1944 ومن بعده القانون رقم 8 لسنة 1954 ومن ثم القانون رقم 33 لسنة 1959 النافذ المفعول حاليا - على من ينطبق عليهم!؟-؛ والى أن حل محله بالنسبة للموظفين العامين المدنيين قانونا التقاعد المدني رقم 34 لسنة 1959 والذي لا يزال معمولا به مع ما جرى عليه من تعديلات -على من ينطبق عليهم!؟- حيث اتسع نطاقه ليشمل الخدمة الوزارية والوزراء بعدد من السنوات محدود خاص بهم ، وليشمل مدة العضوية في مجلس الأمة لمن كان موظفا سابقا ثم لمن كان وزيرا سابقا ، وفيما بعد ليشمل أعضاء مجلس الأمة (الأعيان والنواب ) سواء كانوا موظفين أو وزراء سابقين أو لا وبعدد من السنوات محدود خاص بهم. ثم انحسر هذا الشمول والاتساع الأخير بموجب قانون التقاعد المدني المؤقت رقم 10  لسنة 2010 المعمول به اعتبارا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية في 20/ 5/ 2010 فلم تعد مدة العضوية في مجلس الأمة مقبولة للتقاعد ولم يعد عضو مجلس الأمة خاضعا للتقاعد المدني بصفته هذه مهما بلغت مدتها .

   وفي هذه الأثناء ، وفي اواخر السبعينات من القرن الماضي صدر قانون الضمان الاجتماعي رقم 30 لسنة 1978 وما جرى عليه من تعديلات وتغييرات واستقر اخيرا في القانون رقم 1 لسنة 2014 ، وبموجب هذا القانون امتد نطاق التقاعد ، وخاصة في حالتي الشيخوخة والعجز الدائم ، ليشمل العاملين لدى الغير في القطاع الخاص اجباريا وليشمل العاملين في امورهم الخاصة بما في ذلك ربات المنازل اختياريا. ثم امتد نطاقه واتسع ليشمل العاملين في القطاع العام ( المدنيين في عام 1995 ، ومن ثم العسكريين في عام 2003 ) ليكون تنظيما تشريعيا موحدا شاملا بل متاحا لجميع افراد المجتمع باعتبار الدولة صاحبة ولاية عامة عليهم وتتكفل برعايتهم في حالة عجز أي منهم عن العمل طبقا لاحكام هذا القانون والمتوافق الى حد كبير،  مع الأسس والمعايير الدولية في مجال " التأمينات الاجتماعية ".

   هذا بالنسبة للتشريعات العادية ، أما الدستور الاردني فلم يوجد فيه ما يشير الى التقاعد وحالات الشيخوخة والعجز عن العمل ، لا بنص صريح ولا بإشارات ولا دلالات، بالرغم من اهميتها وما فيها من تلبية لحاجة ضرورية أساسية في حياة الإنسان . ولذلك فإن ما قام به المشرع الاردني بالنسبة للتقاعد في حالات الشيخوخة والعجز عن العمل بصورة عامة في التشريعات العادية المشار اليها اعلاه ، هو من قبيل العرف الدستوري بإعتبار ما حصل بهذا الخصوص كان متكررا بل متواصلا مستمرا مواكبا لحركات التطور الحضاري المتقدم فعلا ، وان الاعتقاد بأنه ملزم متوافر لدى الدولة بصورة عامة ولدى الجهات المختصة بالتشريع العادي بصورة خاصة . والمقصود هنا بـ" العرف الدستوري " هو مجرد إقرار المبدأ فقط حيث كان يقضي بوجوب وجود قانون للتقاعد للموظفين العامين ، وفيما بعد أصبح يقضي بوجود قانون للتقاعد بل الضمان الاجتماعي ليكون متاحا لجميع المواطنين وفقا لأسس ومعايير محددة . وهذا لا يعني ان كل ما ورد في قوانين التقاعد والضمان الاجتماعي المشار إليها أعلاه دستوري ، وإنما كل ما جاء في تلك القوانين من نصوص قانونية خاضعة للرقابة على دستوريتها .

   وحيث لا نص في الدستور عموما ولا في طلب التفسير خصوصا يتعلق بموضوع الطلب الوارد في السؤال الأول ( التقاعد ) لا بصريح العبارة ولا بالإشارة ولا بالدلالة، فإنه لا مجال ولا محل للتفسير بهذا الخصوص إطلاقا كما سبق القول وعلى إعتبار أننا في مجال " تفسير تشريعي " ، وأن ما جاء في الطلب من هذه الناحية لا يعد طلب تفسير بالمعنى القانوني ، وإنما هو مجرد طلب إبداء رأي ومشورة أو إستشارة والمحكمة الدستورية غير مختصة بذلك . فضلا عن أن صلاحياتها في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة ليست رقابة مسبقة حتى ولو كانت هناك إحتمالية وجود شبهة دستورية حول مشروع أي قانون أو نظام ، وإنما صلاحيتها في الرقابة من هذه الناحية هي رقابة لاحقة بدليل أنها قد إنحصرت بالقوانين والأنظمة النافذة فقط وفقا لصراحة النص في المادة 59/ 1من الدستور.

   ولذا ، وبناء على ما تقدم ، وبعد العودة ثانية للطلب المقدم من مجلس الوزراء بهذا الخصوص وقراءته من جديد قراءة كاملة متكاملة وليست مجتزأة ودون اعتماد فقرة بمعزل عن القراءة الشاملة لمضمون الطلب والتدقيق في كل ما جاء فيه والتحقق من صحة ما خلصت اليه فيما سبق، فإنني أرى- خلافا لرأي الأغلبية المحترمة - رد طلب التفسير وعدم قبوله شكلا من هذه الناحية الواردة في السؤال الأول المتعلقة بمدة العضوية في مجلس الأمة وفيما إذا كان من الجائز إخضاعها للتقاعد المدني ام لا.

   كما أخالف الأغلبية المحترمة فيما ذهبت اليه في خلاصة ( منطوق ) ردها على السؤال الثاني بصورة مطلقة خلافا لما انتهت اليه قبل ذلك في التعليل والتسبيب، ودون الأخذ في الاعتبار ان من شأن كل قانون في حالة رجعيته ان يعدل مراكز قانونية اكتملت في ظل قانون سابق وغالبا ما يكون له أثر مالي وربما يمس حقوقا مكتسبة، وبشكل يؤدي حتما الى إلغاء ما جاء في الدستور صراحة - وأقرته الأغلبية المحترمة وانا معهم في العبارة قبل الأخيرة من الفقرة الأولى من الرد على السؤال الثاني - من أنه أي الدستور " أجاز للمشرع العادي إيراد نص خاص في القانون ليسري على الماضي بتاريخ سابق على نفاذه المباشر - وهذا النفاذ المباشر هو الأصل- الذي يتحدد بمرور ثلاثين على نشره في الجريدة الرسمية، اي بأثر رجعي".

   ذلك ان الإجماع منعقد على ان الأصل في سريان القوانين والتشريعات عموما قاعدتان " الأثر المباشر " و" عدم الرجعية " . والإستثناء من ذلك بالإضافة لحالة تعلق القانون بالنظام العام، وحالة القوانين الجزائية ( الجنائية ) إذا كانت أصلح للمتهم؛ حالة النص الصريح في التشريع على سريانه على الماضي. وإذا كان من حق المشرع سحب التشريع على الماضي، فمن المسلم به وجوب عدم استعمال هذا الحق الا عند الضرورة القصوى ولداع يتطلبه الصالح العام، نظرا لخطورة هذا الحق لما قد يترتب عليه من مساس بالحقوق ( المالية وغير المالية ) المكتسبة ، وتعديل في المراكز القانونية التي اكتملت فيما قبل مرور ثلاثين يوما على نشره في الجريدة الرسمية ، وما قد يكون له من أثر مالي رجعي.

ولذا ، وبناء على ما تقدم ، فإنني ارى خلافا للأغلبية المحترمة- أن يكون تفسير الفقرة الثانية من المادة 93من الدستور، وما جاء فيها بشأن الرجعية بنص صريح استثناء، على وجه الخصوص ، أنه يجوز أن ينص القانون ( بالمطلق وأيا كان ) على انه يسري على الماضي في حالة الضرورة القصوى ولداع يتطلبه الصالح العام. او بعبارة اخرى انه " لا يجوز ان ينص القانون على انه يسري على الماضي وباثر رجعي الا في حالة الضرورة القصوى ولداع يتطلبه الصالح العام".

قرار المخالفة الصادر عن العضو الدكتور محمد سليم غزوي في طلب التفسير رقم 2 لسنة 2014

يقرأ بدلالة الموافقة على قرار الأغلبية المحترمة في الحدود التي لا تتعارض مع جوهر المخالفة

اني اوافق على قرار الأكثرية المحترمة في الحدود التي لا تتعارض مع ما ورد في هذا الراي الصادر عني حول طلب التفسير.

في البداية وحيث ان المادة 59 من الدستور والمادة 15 من قانون المحكمة الدستورية تنص على ان تصدر المحكمة احكامها باسم الملك وتكون احكامها نهائية وملزمه لجميع السلطات وللكافة .......  فان النصوص سالفة الذكر تقرر حجية الشيء المحكوم به  l,autorite de la chose jugee   واذا اضفنا للنصوص سالفة الذكر نص الفقرة 2 من المادة 59 من الدستور  والمادة 17 من قانون المحكمة " للمحكمة الدستورية حق تفسير نصوص الدستور اذا طلب اليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء او بقرار يتخذه احد مجلسي الامه بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية. "

وحيث ان القرار القضائي بالتفسير يلزم جميع سلطات الدولة والكافة وينشر في الجريدة الرسمية فان اثار القرار الصادر بالتفسير تعادل تماما الحجيه المطلقة للاحكام الصادرة في رقابة الدستورية من حيث انها ايضا ملزمه لجميع سلطات الدولة والكافة "

وحيث ان المادة 14 من قانون المحكمة الدستورية الاردنية تنص على ان المحكمة تصدر احكامها مسببه....... "

وحيث ان نطاق حجية الشيء المحكوم به لأحكام المحكمة الدستورية تطال منطوق الحكم / القرار وتنسحب على الاسباب التي تعتبر السند للمنطوق.

وحيث ان نصوص المواد 59/ 2 من الدستور والمواد 4 و 17 من قانون المحكمة الدستورية تعتبر ما يصدر عن المحكمة الدستورية عندما تقوم بتفسير نصوص الدستور هو قرار/ قرارات ملزمه وليس ابداء راي او اعطاء مشوره او اصدار فتوى / فتاوى فان لطلب التفسير اصولا يلزم التقيد بها.

وحيث ان نصوص المواد سالفة الذكر وعلى خلاف المواد التي تنظم قضاء رقابة الدستورية " م 59/ 1 من الدستور و م 4 و م 9 وما بعدها من القانون لا تتضمن اي شرط لقبول طلب التفسير المقدم من مجلس الوزراء او من مجلس الامة او بعبارة اخرى " خلت النصوص سالفة الذكر من اي شرط لقبول طلب التفسير " يثور التساؤل التالي : ما الذي يشترط لقبول طلب التفسير وانعقاد ولاية المحكمة الدستورية في هذا الخصوص ؟ سنذهب مع الفقه والقضاء الدستوريين الى ان سبب اللجوء الى طلب التفسير هو ان يقع خلاف حول نص دستوري فيكون تدخل المحكمة الدستورية بالتفسير لازما رفعا للتضارب في فهم النص وتحديدا لمعناه القانوني والا يتعين على المحكمة الدستورية ان تحكم بعدم قبول الطلب .

وحيث ان قرار مجلس الوزراء بتاريخ 24/ 9/ 2014 طلب تفسير المواد محل وموضوع الطلب التي لم يظل تطبيقها متراخيا وامتد الجدل حول معناها وغاياتها الى قاعدة عريضة من المواطنين عميقا في وجدانهم مثيرا لاهتمامهم وهي : 52 و 65 / 1 و 68/1و 66و 78/ 3 و 75/ 2 و 76و 93/ 2 لبيان - اي بيان الخلاف المثار بشأن تطبيق النص - ما اذا كان يجوز 1) اخضاع مدة العضوية في مجلس الامة للتقاعد المدني 2) وما اذا كان يجوز ان ينص قانون ذو اثر مالي على سريان مفعوله باثر رجعي لتعديل مراكز قانونية اكتملت في ظل سريان قانون سابق وبما يرتب زيادة في النفقات العامة " وذلك في ضوء احكام المواد 52 و 65 وما بعدها و 75 وما بعدها و 93 من الدستور .

وحيث ان لنصوص المواد 52 وما بعدها من الدستور اهميه كبيره وجوهريه بالنظر للموضوعات التي تنظمها،

وحيث ان الخلاف في تفسير هذه النصوص يثور بشأن مصطلح ( الموظف العام – عضو مجلس الامة ) ومصطلح ( الراتب – المخصصات ) وما اذا كان النظام القانوني الاردني ينبذ التفرقه ام يقر الاختلاف بينها،

فانه من حيث ان المادة 52 من الدستور التي نصت على ما يلي : ---- والوزير الذي يتقاضى راتب الوزارة لا يتقاضى في الوقت نفسه مخصصات العضوية في اي من المجلسين " اشارت بوضوح الى مصطلحين هامين في نص واحد : مصطلح الراتب " راتب الوزارة " ومصطلح المخصصات، وحيث ان المادة 76 من الدستور نصت على ان المقصود بالوظائف العامة كل وظيفة يتناول صاحبها مرتبه من الاموال العامة فقد اشارت بوضوح الى راتب الوظيفة العامة.

وعليه:

لا بد من وقفه لنتساءل هل معنى ومضمون كل من المصطلحين " الراتب/ المخصصات مختلف عن الاخر ام ان كلا منهما يرادف الاخر ؟ سؤال في القانون والاجابة عليه يجب ان تكون قانونيه بالدرجة الاولى لتعلقها بنبذ النظام القانوني الاردني عدم انسجام القوانين والانظمة ذات الصلة مع ما يامر به الدستور .

وحيث ان الراتب هو احد الحقوق الاساسية المرتبطة بالوظيفة ارتباطا وثيقا وحيث ان الراتب يعتبر لدى فقه القانون العام عنصرا اساسيا في كل نظام وظيفي فلم يتخلف نظامنا القانوني الاردني عن ترجمة هذا حيث جاء في المادة 76 من الدستور " ----- ويقصد بالوظائف العامة كل وظيفة يتناول صاحبها مرتبه من الاموال العامة" وحيث ان تحديد طبيعة المرتبات تختلف فهي في الدول التي تعتبر الوظيفة " مهنة – لا مجر عمل مؤقت لا يختلف في طبيعته عن العمل الذي يقوم به العامل في المشروعات الخاصة – يكرس لها الموظف كل سنوات حياته العملية من بدء دخول الخدمة الى بلوغ سن التقاعد " نوع من النفقة –  لا اجرا كما هو في المشروعات الخاصة – تمنح للموظف بقصد تمكينه من ان يعيش العيشة التي تليق بالمركز الاجتماعي للوظيفة التي يشغلها " تراجع المواد 17 و 19 وما بعدها من نظام الخدمة المدنية رقم 82 لسنة 2013"

وحيث ان المادة 76 من الدستور نصت على انه مع مراعاة احكام المادة 52 من هذا الدستور لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الاعيان او النواب وبين الوظائف العامة ويقصد بالوظائف العامة كل وظيفة يتناول صاحبها مرتبه من الاموال العامة " فقد ذهبت من ناحيه الى تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات القائم على التعاون والتوازن " تراجع المواد 28 وما بعدها 62 وما بعدها و 97 وما بعدها من الدستور " وبلورت من ناحية ثانية " مبدأ تنظيميا اساسيا مسلما به الا وهو: وحدة الوظيفة او عدم الجمع بينها غيرها من اوجه النشاط العام ابرزها واهمها كما يذهب فقه القانون العام وعنته محكمة العدل العليا الاردنية من وصفها للموظفين العامين في حكمها رقم 109/ 75 الصادر بتاريخ 16/ 5/ 1976 الا وهو " عدم الجمع بين الوظائف العامة وعضوية مجلس الامة للتعارض بين عمل مجلس الامة وعمل الموظف العام ".

وحيث ان هذا التعارض وفقا لما امرت به المواد 65 وما بعدها من الدستور والمواد 66 وما بعدها من نظام الخدمة المدنية رقم 82 لسنة 2013 يتناول امرين :

 الاول يتعلق بالنشاط ذاته الذي يباشره عضو مجلس الامه من ناحيه والموظف من ناحية أخرى، فالموظف مكلف باداء خدمة عامة للشعب وهو ملزم بأداء هذه الخدمة على اكمل وجه " تراجع المواد 65 و 66 و 68 و 75 من الدستور كما تراجع المواد 66 وما بعدها من نظام الخدمة المدنية رقم 82 لسنة 2013 ، اما مجلس الامة فيمثل الشعب وهو بهذه الصفة يراقب عمل الاجهزة التنفيذية على ما يقع منها من تقصير او اهمال او انحراف في اداء الخدمة العامة ولا شك ان طبيعة عمل رقابة مجلس الامة يختلف اختلافا جوهريا عن طبيعة عمل الاجهزة التنفيذية.

وحيث ان هذا الاختلاف الجوهري يستوجب الفصل بين عمل الرقابة وعمل التنفيذ ويستوجب بالتالي ان تكون كل من الرقابة الشعبية واعمال التنفيذ وتقديم الخدمات العامة بين هيئتين مختلفتين منفصلتين عن بعضهما في التكوين .

والامر الثاني ) الذي يتناوله التعارض يتعلق بظروف ووقت مباشرة النشاط في مجلس الامه من ناحية وفي الاجهزة التنفيذية من ناحية اخرى ذلك لان عمل الوظيفة العامة له مواعيد محددة يباشر فيها وهو عمل مستمر بطبيعته يتناول كل ايام الاسبوع اما عمل مجلس الامة فيتناول مسائل رئيسية كبرى تتطلب دراستها ومناقشتها دقة وعناية وجهدا كبيرا يبذل من جانب اعضاء المجلس

وعليه فان اشتراك الموظف في عضوية مجلس الامه يؤثر حتما وبطريقة مؤكده على حسن قيامه بأحد الواجبين او بكليهما معا زائد المخالفة الصريحة لمبدأ الفصل بين السلطات.

وحيث ان المادة 120 من الدستور قد اناطت بالسلطة التنفيذية حق التشريع في مسائل عينتها بطريق الحصر " التقسيمات الادارية في المملكة الاردنية الهاشمية وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها واسماؤها ومنهاج اداراتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والاشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك ".

وعلى ذلك كما قال المجلس العالي لتفسير نصوص الدستور " القرار رقم 1 لسنة 1965 تاريخ 1/ 5/ 1965 " فان السلطة التشريعية لا تملك حق التشريع في المسائل المنصوص عليها في هذه المادة لان الدستور قد اناط هذا الحق بالسلطة التنفيذية على اعتبار انه من الضمانات الدستورية اللازمة لاستقلال السلطة التنفيذية. فاذا خرجت السلطة التشريعية على هذا المبدأ وتناولت تلك المسائل بالتشريع فان القانون الذي تصدره بهذا الشأن يكون مخالفا للدستور .

وحيث اخذ بما انتهى اليه المجلس العالي كل من : الديوان الخاص بتفسير القوانين " القرار رقم 15 لسنة 1965 " الذي جاء فيه " ---- غير اننا نجد انه لا بد من التنويه بان المادة 120 من الدستور كما فسرها المجلس العالي بقراره الصادر بتاريخ 1/5/1965 رقم 1 لا تجيز تنظيم شؤون الموظفين الا بنظام --- " ومحكمة العدل العليا بقرارها رقم 27/68 و 19/81" ومحكمة التمييز عام 1958 في حكمها رقم 74/ 58 " اذ جاء " ان تنظيم المسائل المتعلقة بتعيين الموظفين وعزلهم والاشراف عليهم وحدود صلاحياتهم يكون بنظام من السلطة التنفيذية وعلى هذا يجب على كل سلطة من السلطتين التشريعية والتنفيذية ان تمارس حق التشريع في الحدود المعينة لها من غير افتئات على الاختصاصات التشريعية للسلطة الاخرى فاذا خرجت احدى السلطتين عن هذا المبدأ وتناولت بالتشريع موضوعات يعود حق التشريع فيها الى السلطة الاخرى فان تشريعها يكون مخالفا للدستور .

وحيث ذهب الفقه الى تأييد قرار المجلس العالي لتفسير نصوص الدستور والى القول ان النظام الصادر عن السلطة التنفيذية استنادا الى المادة 120 منه له في سلم تدرج القواعد القانونية نفس مستوى القانون الصادر عن السلطة التشريعية .

وحيث انه لم يلتفت الى التكامل البالغ الاهمية وما يرتبه هذا التكامل من نتائج ما بين نص المادة 22 من الدستور " لكل اردني حق في تولي المناصب العامة بالشروط المعينة في القانون او الانظمة " والمواد 120 و 127 من الدستور التي جاءت لتنفذ الحكم العام الذي تضمنته المادة 22 فقد ترك الدستور وفقا لنص المادة 120 منه للنظام تحديد شروط تولي المناصب العامة المدنية واناط بالقانون تحديد شروط تولي المناصب العسكرية " جاء في المادة 127/ 2 من الدستور" يعين بقانون نظام الجيش والمخابرات والشرطة والدرك وما لمنتسبيها من الحقوق والواجبات "

وحيث ان الراتب لغايات التقاعد حدده قانون التقاعد المدني وتعديلاته رقم 34 لعام 1959 وحيث ان الامور التي ينص عليها في قانون التقاعد المدني تدخل في نطاق المسائل الواردة في المادة 120 من الدستور فقد كان يقتضي كنتيجة للتكامل سالف الذكر - لا الحاجة لطعن - ان يتم ذلك بموجب نظام وبالتالي يكون قانون التقاعد المدني سالف الذكر غير دستوري لا بد من الغائه بقانون اخر .

وحيث ان المخصصات والتعويض والمكافأة البرلمانية كلها صيغ تستخدم بلا تفرقه وتمييز وحيث ان المجانية او عدم تقرير مخصصات لعضو البرلمان فيه مخالفه واضحه لجوهر المبدأ الديمقراطي ولا يقره مبدأ " النائب يمثل الامة " الذي حل محل " مبدأ الوكالة الالزامية " فالمخصصات تتكفل بها الامة " خزينة الدولة " لا الدائرة الانتخابية "،

وحيث ان المخصصات تعني ان عضو البرلمان يتقاضى مقابلا ماديا مناسبا غير مغالى به لقاء ما يقوم به من خدمة عامة تدعيما لاستقلاله والنأي به عن المؤثرات المادية من جانب الغير،

وحيث ان التشريعات الحديثة استقرت على الاخذ بنظام المخصصات او المكافاة البرلمانية ومن امثلتها " بريطانيا بعد عام 1911 اصبح عضو البرلمان يحصل على مكافأة من الخزانة المركزية وقد سوغ الانجليز المكافأة بالعبء الملقى على عاتق عضو البرلمان وجديته للحصول عليها من خلال مواظبته على الاجتماعات وفحص المراسلات وارسال الردود وتلقي الخطابات والاجابة عنها وزيارة الدوائر في فترات منتظمة بالإضافة الى زيارة البرلمانات الاجنبية والهيئات المختلفة للأمم المتحدة ----- الخ"" وفرنسا فقد جاء في المادة 25 من دستور 1958 الفرنسي " يحدد بقانون اساسي مدة كل مجلس وعدد اعضائه ومكافآتهم " وضمنت التشريعات العربية في العديد من الدول ما يكفل المكافأة البرلمانية او التعويضات او المخصصات "

وكانت نقطة البدء في الاردن " القانون رقم 20 لسنة 1939 " قانون تخصيصات اعضاء المجلس التشريعي " الذي جاء فيه  بانه " يعتبر ما يتقاضاه اعضاء المجلس التشريعي تخصيصا لا راتبا " وقد وضع بوضع التطبيق الى ان تم الغاؤه واصدار قانون جديد " القانون رقم 17 لسنة 1947 " قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة " الذي نص في المادة الثانية منه على ان: يعتبر ما يتقاضاه اعضاء مجلس الامه مخصصات لا رواتب ولا زال هذا القانون معمولا به الى الان لما جاء في المادة 129 من دستور 1952 " يلغى الدستور الاردني الصادر بتاريخ 7 كانون اول سنة 1946 مع ما طرأ عليه من تعديلات " يلغى مرسوم دستور فلسطين لسنة 1922 مع ما طرأ عليه من تعديلات " " لا يؤثر الالغاء المنصوص عليه في الفقرتين السابقتين على قانونية اي قانون او نظام صدر بموجبهما او اي شيء عمل بمقتضاهما قبل نفاذ احكام هذا الدستور " ووفقا لنص المادة 128/ 2 من الدستور " ان جميع القوانين والانظمة وسائر الاعمال التشريعية المعمول بها في المملكة الاردنية الهاشمية عند نفاذ هذا الدستور تبقى نافذه الى ان تلغى او تعدل بتشريع يصدر بمقتضاه وذلك خلال مدة اقصاها ثلاث سنوات".

ويتم تحديد مخصصات اعضاء مجلس الامة الاردني بقرار من مجلس الوزراء وكان اخر قرار يتعلق بهذا الامر " القرار الذي صدر بتاريخ 3/ 5/ 1986 " والذي جاء فيه ان مجلس الوزراء قرر في جلسته المنعقدة بتاريخ 3/ 5/ 1986 الموافقة على ما يلي : 1- تحديد المخصصات لكل من دولة رئيس مجلس الاعيان ومعالي رئيس مجلس النواب لتصبح على النحو التالي " 600 دينار اساسي زائد 500 دينار بدل تمثيل زائد 80 دينار علاوة سيارة "

2- تحديد مخصصات كل من اعضاء مجلسي الاعيان والنواب لتصبح : 500 دينار اساسي زائد 50 دينار بدل تمثيل زائد 50 دينار علاوة سيارة " وذلك اعتبارا من 1/ 4/ 1986.

ولما كان ذلك وكان تقاعد اعضاء مجلس الامة قد تحدد بموجب التعديلات التي ادخلت على قانون التقاعد المدني رقم 34 لسنة 1959 قبل عام 2010،

وحيث ان المادة الخامسة من القانون المدني نصت على انه لا يجوز الغاء نص تشريعي الا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الالغاء او يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم او ينظم من جديد الموضوع الذي سبق ان قرر قواعده ذلك التشريع،

فقد تحقق التنازع بين قانون التقاعد المدني وتعديلاته رقم 34 لسنة 1959 مع قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947.

وحيث ان التشريع الجديد يعمل به بعد ثلاثين يوما من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية وفقا لنص المادة 93/ 2 من الدستور الا اذا حدد لذلك ميعاد آخر فقد كانت نقطة البدء سريان قانون التقاعد المدني المعدل رقم 1 لسنة 1969 الجريدة الرسمية - العدد رقم 2147 تاريخ 1/ 2/ 1969 ثم من بعده قانون التقاعد المدني المعدل رقم 19 لسنة 1984/ الجريدة الرسمية العدد رقم 3241 تاريخ 16/ 6/ 1984 ومن بعده قانون التقاعد المدني المعدل رقم 7 لسنة 1999 واخيرا القانون المعدل رقم 19 لسنة 2006/ الجريدة الرسمية - عدد 4751 تاريخ 16/ 3/ 2006.

وبالعودة الى نص المادة 120 من الدستور وما ذهب اليه المجلس العالي لتفسير نصوص الدستور " القرار رقم 1 لسنة 1965 " وايده الديوان الخاص بتفسير القوانين القرار رقم 15 لسنة 1965 ومحكمة العدل العليا القرار رقم 27/ 68 والقرار رقم 19/ 81 ومحكمة التمييز الحكم رقم 74/ 58 " من ان السلطة التشريعية لا تملك حق التشريع في المسائل المنصوص عليها في المادة 120 من الدستور لان الدستور قد اناط هذا الحق بالسلطة التنفيذية على اعتبار انه من الضمانات الدستورية اللازمة لاستقلال السلطة التنفيذية فاذا خرجت السلطة التشريعية على هذا المبدأ وتناولت تلك المسائل بالتشريع فان القانون الذي تصدره بهذا الشان يكون مخالفا للدستور.

وحيث ان الامور التي ينص عليها قانون التقاعد المدني تدخل في نطاق المسائل الواردة في المادة 120 من الدستور وحيث ان السلطة التشريعية خرجت على مبدأ انها لا تملك حق التشريع في المسائل المنصوص عليها في المادة 120 فان قانون التقاعد المدني وتعديلاته السالف الذكر هو غير دستوري لا بد من الغائه بقانون اخر وحيث ان الجمع بين الوظائف العامة وعضوية مجلس الامة تحرمه المادة 76 من الدستور للتعارض الواضح بين عمل كل منهما سواء ما يتعلق بأمر النشاط او ما يتعلق بأمر ظروف ووقت مباشرة هذا النشاط وبالتالي فان المدى الذي تبلغه مسألة اللادستورية يطاول بعض احكامه او ما يطلق عليه باللادستورية الجزئية الا وهي كل ما يتعلق بعضوية مجلس الامة من راتب او تقاعد --- الخ.

 وحيث ان نزع الاحكام غير الدستورية تقبل الانفصال عن قانون التقاعد المدني ولا تمس مجمله فان التنازع سالف الذكر يقود حتما الى رجحان دستورية قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947 فهذا القانون فقط وليس اي قانون اخر هو الذي يجب ان يسري لاتفاقه مع نص المادة 52 من الدستور.

هذا وفي عام 2010 صدر قانون التقاعد المدني المعدل رقم 10 لسنة 2010 وتم نشره في الجريدة الرسمية رقم 5033 بتاريخ 20/ 5/ 2010 جاء في المادة الاولى منه "يسمى هذا القانون قانون معدل لقانون التقاعد المدني لسنة 2010 ويقرأ مع القانون رقم 34 لسنة 1959 المشار اليه فيما يلي بالقانون الاصلي وما طرأ عليه من تعديل قانونا واحدا ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية".

وحيث ان التشريع الذي يتعلق بشؤون الموظفين يجب ان يصدر عن السلطة التنفيذية بنظام اذا كانت الموضوعات التي يتناولها ذلك التشريع من المسائل المنصوص عليها في المادة 120 من الدستور وحيث ان السلطة التشريعية خرجت على مبدأ انها لا تملك حق التشريع في المسائل المنصوص عليها في المادة 120 فان قانون التقاعد المدني المعدل لعام 2010 غير دستوري لا بد من الغائه بقانون جديد.

وحيث ان التنازع مع قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947 غير متحقق لخلو قانون التقاعد المدني المعدل سالف الذكر من النص على احتساب مدة العضوية في مجلس الامة من الخدمات المقبولة للتقاعد ولهذا جاء قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة سالف الذكر منسجما تماما مع نص المادة 52 من الدستور وبالتالي هو فقط القانون الساري المفعول الى الان.

   وحيث ان قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لعام 1947 لم ينقطع سريانه وتحددت بموجبه المخصصات لأعضاء مجلس الامة، وحيث ان مجموع القوانين المعدلة قبل عام 2010 لقانون التقاعد المدني لعام 1954 حددت مجموع المخصصات " رواتب ، تقاعد " بشكل اكبر ويفوق ما حدده قانون المخصصات وحيث ان مصدر هذا كله خزينة الدولة وفقا لما يأمر به مبدأ ان عضو مجلس الامة يمثل الامة اي من المال العام فان هذا الذي يفوق ما حدده قانون المخصصات من المال العام لا يجوز في جميع الاحوال وفقا لنص المادة 60 من القانون المدني ......تملكها بمرور الزمان "

وهنا لا بد من وقفه كي نذكر ونؤكد:

ان الغاء قانون التقاعد المدني وتعديلاته رقم 34 لعام 1959 لا يقود الى الانهيار في مجال التقاعد ولا يستتبع اسقاط كل ما جاء فيه فاللادستورية للقانون تعني من ناحيه: ان اي تشريع يتعلق بشؤون الموظفين يجب ان يصدر عن السلطة التنفيذية بنظام اذا كانت الموضوعات التي يتناولها ذلك التشريع من المسائل المنصوص عليها في المادة 120 من  الدستور، وحيث ان اللادستورية قد تكون من ناحية ثانية لادستورية كلية تطاول مجمل القانون او لا دستورية جزئيه تطاول بعض النصوص كما هو حال النصوص الخاصة بأعضاء مجلس الامة التي وجدت مكانها الطبيعي في قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947 واما ما عداها من نصوص فان مكانها الطبيعي - اي نقلها كماهي - في نظام الا وهو نظام الخدمة المدنية لعام 2013

   وحيث ان قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947 ينسجم تماما مع ما امر به الدستور وحيث ان هذا القانون ما زال ساريا ولم يلغ فانه " لا يجوز اخضاع مدة العضوية في مجلس الامة للتقاعد المدني".

وبالعودة الى موضوع سريان القانون على الماضي " رجعية القوانين ".

وحيث ان الاثر الرجعي للتشريع كما يقول فقهاء القانون " امر بغيض في ذاته " ويضيف اخرون " ان الاسراف في النص على الاثر الرجعي في القانون يعتبر انحرافا في استعمال السلطة التشريعية " فقد اجازه الدستور الاردني استثناء للضرورة وذلك على الوجه المبين في المادة 93 / 2 منه " يسري مفعول القانون باصداره من جانب الملك ومرور ثلاثين يوما على نشره في الجريدة الرسمية الا اذا ورد نص خاص في القانون على ان يسري مفعوله من تاريخ آخر".

وحيث ان غاية التفسير الذي تقوم به المحكمة الدستورية هو البحث عن حقيقة ارادة المشرع الدستوري وتحري مقاصده اي ان التفسير الدستوري المخول لها لا ينشئ حكما جديدا بل يعتبر قرارها بالتفسير مندمجا في موضوعه وجزءا منه لا يتجزأ وساريا بالتالي منذ نفاذه ومن ثم يعتبر النص محل التفسير وكأنه صدر ابتداء بالمعنى الذي تضمنه قرار التفسير ومن الطبيعي ان يسري باثر رجعي بحيث يرتد الى لحظة صدور النص وليس لتاريخ القرار الصادر بتفسيره ." يراجع قرارات المحكمة الدستورية العليا / تفسير الصادر بتاريخ 30/ 1/ 1993 . 21/ 1/ 1995.

وحيث ان اعمال الاثر الرجعي لقرارات التفسير الصادرة من المحكمة الدستورية قد يكون من شأنه ان يؤدي الى المساس ببعض الاعتبارات القانونية التي لا يجوز المساس بها للمحافظة على استقرار ما تم قبل صدور قرارات التفسير لذلك توجد عدة استثناءات من قاعدة الاثر الرجعي لقرارات التفسير اهمها: عدم جواز المساس بالمراكز القانونية التي استقرت قبل نشر قرارات التفسير.

واعمالا لهذا الاستثناء:

وحيث انه في حالة وجود مراكز قانونية اكتملت عناصرها واستقرت التي اشار اليها طلب التفسير بشكل صريح فلا يجوز ان تمس هذه المراكز لما يشكله هذا المساس من عدوان على الحقوق التي ولدتها هذه المراكز وتجريد لأصحابها منها بعد ثبوتها فعدم المساس بالمراكز القانونية المستقرة هو مبدأ قانوني عام وكما ينصرف الى المراكز القانونية التي اكتملت عناصرها قبل صدور القرارات التفسيرية الصادرة عن المحكمة الدستورية يطبق ايضا على المراكز القانونية التي استقرت قبل صدور الاحكام والقرارات في الدعاوى والقرارات الدستورية.

وحيث ان القاضي الدستوري يستهدف ارساء دعائم المشروعية الدستورية وضمان التزام السلطة التشريعية بأحكام الدستور في التشريعات التي تصدرها ويستهدف من ناحيه ثانية حماية المجتمع ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتجنيب المجتمع الازمات التي يمكن ان تعصف باستقراره،

فلا تجوز الرجعية للقوانين ذات الاثار المالية او غير المالية التي من شانها المساس بالمراكز القانونية المستقرة .

فلهذه الاسباب وبالبناء على كل ما تقدم فان الرأي الذي نراه هو:

1- عدم جواز تنظيم شؤون الموظفين بقانون وانما بنظام بما فيه تنظيم تقاعد كافة من يشغل المناصب العامة المدنية اعمالا لنص المواد 22 و 120 و 127 من الدستور.

2- استمرار سريان قانون مخصصات اعضاء مجلس الامة رقم 17 لسنة 1947 مع عدم جواز اخضاع مدة العضوية في مجلس الامة للتقاعد المدني.

3- عدم جواز رجعية القوانين التي من شأنها المساس بالمراكز القانونية المستقرة.