accessibility

قرار تفسير رقم (1) لسنة 2014

قرار تفسير رقم (1) لسنة 2014

الصادر عن المحكمة الدستورية

الصادر عن المحكمة الدستورية المنعقدة برئاسة السيد طاهر حكمت وعضوية السادة  مروان دودين ،  فهد أبو العثم النسور ، أحمد طبيشات ، الدكتور كامل السعيد ، فؤاد سويدان ، يوسف الحمود ، الدكتور عبد القادر الطورة ، الدكتور محمد سليم الغزوي .

بناء على طلب مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 12/2/2014 فقد إجتمعت المحكمة لتفسير المادة (92) من الدستور على ضوء ما ورد في المادة (89) منه لبيان ما يلي :

1- المقصود بعبارة " لبحث المواد المختلف فيها " الواردة في المادة (92) من الدستور، وما إذا كانت تجيز لأعضاء مجلسي الأعيان والنواب في الجلسة المشتركة تبني مقترحات جديدة للمواد المختلف فيها، أم أن حق مجلس الأمة في الجلسة المشتركة مقصور فقط على التصويت على قرار مجلس النواب أو الأعيان بشأن هذه المواد.

2- المقصود بالأغلبية المطلوبة لإقرار المواد المختلف فيها في الجلسة المشتركة لمجلس الأمة، وما إذا كانت – هذه – الأغلبية المطلوبة هي الأغلبية المطلقة أم أغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين.

بعد المداولة والتدقيق واستعراض نصوص الدستور وما صدر بشأنها من قرارات تفسير، واستخلاص فيما يتعلق بالموضوع؛ نجد ما يلي :

أن المادة (92) من الدستور تنص على أنه " إذا رفض أحد المجلسين مشروع أي قانون مرتين وقبله المجلس الآخر معدلاً أو غير معدل يجتمع المجلسان في جلسة مشتركة برئاسة رئيس مجلس الأعيان لبحث المواد المختلف فيها، ويشترط لقبول المشروع أن يصدر قرار المجلس المشترك بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين، وعندما يرفض المشروع بالصورة المبينة آنفاً لا يقدم مرة ثانية إلى المجلس في الدورة نفسها".

وأن المادة (89) من الدستور تنص على ما يلي:

1- بالإضافة إلى الأحوال التي يجتمع فيها مجلسا الأعيان والنواب بحكم المواد 29 و 34 و 79، 92 من هذا الدستور فإنهما يجتمعان معاً بناءً على طلب رئيس الوزراء.

2- عندما يجتمع المجلسان معاً يتولى الرئاسة رئيس مجلس الأعيان.

3- لا تعتبر جلسات المجلسين مجتمعين قانونية إلا بحضور الأغلبية المطلقة لأعضاء كل من المجلسين وتصدر القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين ما عدا الرئيس الذي عليه أن يعطي صوت الترجيح عند تساوي الأصوات.

 وإن المادة (91) من الدستور تنص على ما يلي:

"يعرض رئيس الوزراء مشروع كل قانون على مجلس النواب الذي له حق قبول المشروع أو تعديله أو رفضه وفي جميع الحالات يرفع المشروع إلى مجلس الأعيان ولا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلسان وصدق عليه الملك".

وأن المجلس العالي لتفسير الدستور، بقراره رقم (1) لسنة 1955، بشأن بيان مدى حق مجلس النواب في تعديل مشاريع القوانين التي تعرض عليه من رئيس الوزراء بمقتضى المادة (91) من الدستور؛ قد خلص إلى " أن المقصود من – كلمة – التعديل الذي نصت عليه المادة (91) هو التعديل الذي ينحصر في حدود أحكام مشروع القانون وفي نطاق أهدافه ومراميه سواء أكان ذلك بالزيادة أو النقصان ولا يجوز أن يتناول التعديل أحكاما جديدة لا صلة لها بالنواحي والغايات التي وضع المشروع من أجلها".

وأن المجلس العالي لتفسير الدستور، بقراره رقم (1) لسنة 1974، قد عرض لهذا الموضوع (حق مجلس النواب في تعديل مشروع القانون بالمعنى المنصوص عليه بالمادة (91) من الدستور) ثانية – في سياق آخر ومناسبة أخرى - ، وخلص إلى " أن التعديل الذي يملك مجلس النواب إدخاله على أي قانون تعرضه الحكومة عليه يجب أن ينحصر في حدود أحكام المشروع وفي نطاق غاياته ومراميه ".

وحيث أن المستفاد من نصوص المواد الدستورية الثلاث المشار إليها أعلاه أن مجلس الأعيان يتمتع بالصلاحيات ذاتها التي يتمتع بها مجلس النواب بشأن مشاريع القوانين سواء " بقبولها أو تعديلها أو رفضها " وعلى ضوء ما يقرره مجلس النواب بهذا الخصوص باعتبار مجلس الأعيان يأتي في مرحلة تالية لدور مجلس النواب ، ومراعاة إنحصار هذه الصلاحيات لكلا المجلسين (الأعيان والنواب) عند تداول الأدوار في حالة رفض أحدهما ما يقرره الآخر كلياً أو جزئياً. وبالتالي فإن حق مجلس الأعيان في تعديل مشروع القانون – كحق مجلس النواب حسبما جاء في قراري التفسير المشار إليهما أعلاه – ينحصر في حدود أحكام مشروع القانون وفي نطاق أهدافه ومراميه.

وإذا كانت هذه الصلاحية معطاة لكل من مجلسي الأعيان والنواب على انفراد فمن باب أولى أن تكون، هذه الصلاحية ذاتها، لهما مجتمعين في حال اختلافهما وانعقاد جلستهما المشتركة لبحث المواد المختلف فيها ومناقشتها وتبني مقترحات جديدة لتلك المواد المختلف فيها في حدود أحكامها وفي نطاق أهدافها ومراميها .

هذا من ناحية الشق الأول للسؤال. ومن ناحية الشق الثاني منه بشأن الأغلبية لإقرار المواد المختلف فيها وفقاً للمادة (92) من الدستور المطلوب تفسيرها بهذا الخصوص ، فقد جاء النص صريحاً خاصاً في هذه المادة على " أن يصدر قرار المجلس المشترك بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين "، بينما جاء في الفقرة (3) من المادة (89) من الدستور على أن " تصدر القرارات – عن مجلسي الأعيان والنواب مجتمعين – بأغلبية أصوات الحاضرين ما عدا الرئيس الذي عليه أن يعطي صوت الترجيح عند تساوي الأصوات ". وهذا النص عام يتعلق بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمة في جلساته المشتركة على وجه العموم. وحيث أن الخاص يقيد العام ويؤخذ بالنص الخاص في الحدود التي ورد فيها، وبالتالي فإن ما جاء في المادة (92) من الدستور بشأن الأغلبية بإصدار القرار المشترك وفقاً لأحكامها هو الأولى بالتطبيق، وهي أغلبية ( أكثرية ) ثلثي الأعضاء الحاضرين. مع ملاحظة أن إنعقاد الجلسة يكون بحضور الأغلبية المطلقة لأعضاء كل من المجلسين وفقاً للنص العام الوارد في الفقرة (3) من المادة (89) من الدستور لعدم ورود نص خاص في المادة (92) منه بخصوص انعقاد الجلسة .

ولذا، وبناء على ما تقدم، وللإجابة على السؤال المطروح بشقيه وفي حدودهما، نقرر ما يلي :

1- إن صلاحية مجلس الأمة (الأعيان والنواب) في الجلسة المشتركة لبحث المواد المختلف فيها" وفقا لأحكام المادة (92) من الدستور، ليست مقصورة فقط على التصويت على قرار مجلس النواب أو الأعيان بشأن هذه المواد. وإنما يجوز له مناقشة تلك المواد المختلف فيها وتبني مقترحات جديدة لها في حدودها وفي نطاق أهدافها ومراميها وبما ينسجم مع المواد المتفق عليها وضمن سياقها.

2- إن الأغلبية المطلوبة لإقرار المواد المختلف فيها في الجلسة المشتركة لمجلس الأمة وفقاً لأحكام المادة (92) من الدستور هي أغلبية ( أكثرية ) ثلثي الأعضاء الحاضرين ، على اعتبار أن الجلسة المشتركة لمجلس الأمة منعقدة بحضور الاغلبية المطلقة لأعضاء كل من مجلسي الأعيان والنواب .

قراراً بالأغلبية صدر في 16 جمادى الأول 1435 ه الموافق 17 آذار 2014 م

قرار المخالفة بخصوص قرار التفسير رقم (1) لسنة 2014 المتعلق بتفسير المادتين (89/3) و (92) من الدستور الصادر عن العضو د. كامل السعيد

في الوقت الذي أتفق فيه مع الأكثرية المحترمة فيما ذهبت إليه من أن النصاب القانوني يكتمل للجلسة المشتركة بحضور الأغلبية المطلقة لكل من المجلسين تطبيقاً لحكم الفقرة الثالثة من المادة (89) من الدستور في قولها " لا تعتبر جلسات المجلسين مجتمعين قانونية إلا بحضور الأغلبية المطلقة لأعضاء كل من المجلسين .... ".

أما التصويت في حالة عدم انتهاء الخلاف بالتوافق فيكون بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس الأمة الحاضرين الذين اكتمل بحضورهم نصاب الجلسة المشتركة ابتداء وذلك تطبيقاً لذيل نص المادة (92) من الدستور في قولها " .... ويشترط لقبول المشروع أن يصدر قرار المجلس المشترك بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين... ".

وليست هذه النتيجة إلا تنسيقاً بين أحكام النصين المذكورين والعمل على الانسجام بينهما وإعمالها في آن واحد وفقاً لما تقتضيه طرائق التفسير القانونية.

كما إنني أتفق معها أيضاً فيما ذهبت إليه من أن المشرع الدستوري عندما ألزم المجلسين في مطلع المادة (92) من الدستور أن يجتمعا في جلسة مشتركة برئاسة رئيس مجلس الأعيان " لبحث المواد المختلف فيها ..." قصد أن يناقش أعضاء السلطة التشريعية تلك المواد وتبادل الآراء والتحاور والتداول فيما بينهم توصلاً لحل الخلافات التي تكون قد دارت بخصوص المواد المختلف فيها ، إذ لا يقبل في المنطق أو العقل أن يكون الهدف من الاجتماع هو مجرد الاجتماع دون إجراء بحث أو نقاش أو تداول ، أو أن يكون الهدف منه مجرد التصويت تأييداً للرأي الذي أصر عليه أحد المجلسين هذا من ناحية ، و أما من الناحية الأخرى ، فإن الطرائق الأصولية في التفسير توجب عند تفسير النص الدستوري أو القانوني الأخذ ابتداء بالمعنى اللغوي لألفاظ ذلك النص المراد تفسيره على نحو يجعله صالحاً للتطبيق على الوقائع المراد تطبيقه عليها، فاللغة هي وسيلة التعبير عن إرادة الشارع والمعنى الذي يريده ، باعتبار أنها عدته في التعبير عما يدور في خلده ، ولذلك فإن أول ما يلجأ إليه المفسر في سبيل الكشف عن مراد الشارع معرفة المعاني اللغوية لألفاظ النص ، فألفاظ النص هي الوسيلة الأولى التي يستخدمها المشرع في تحقيق غرضه ، فإن كانت الألفاظ واضحة المعنى صريحة الدلالة كما هو الحال في هذا المقام أكتفي بهذا النص في استخلاص مراد الشارع، إذ لا مساغ للاجتهاد في مورد النص ، وعلة هذا الحكم أن المشرع قادر على التعبير عن نفسه بدقة ووضوح .

وعندما يمارس مجلس الامة في اجتماعه المشترك قبول مشروع القانون موضوع البحث أو رفضه أو تعديله إنما يمارس اختصاصا تشريعياً باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع بمقتضى نص المادة (25) من الدستور في قولها " تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك ويتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب ".

وإذا كان صدور قرار بالقبول أو الرفض لا يشكل جدلاً ، فإنه على العكس من ذلك قد يشكل التعديل في المواد المختلف فيها أو في بعضها الجدل خاصة فيما يتعلق بطبيعة التعديل وتحديد نطاقه .

وفي ضوء عدم ورود نص يقيد التعديلات المراد القيام بها توصلاً للاتفاق على صدور قرار مشترك يحظى بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين ، فإنني أرى أن  التعديل ينبسط نطاقه ليشمل كل التعديلات المقترحة أياً كانت صورها وسواء كانت تعديلات في موضوع النصوص أو في عباراتها أو في صياغتها .

والذي أراه أيضاً أن التعديل المقصود والذي يملك مجلس الأمة ممارسته محصور بداهة في نطاق المواد الواردة في مشروع القانون المحال إليه ، فله أن يقرها أو يرفضها أو يعدلها بحذف بعض عباراتها أو التغيير في صياغتها أو تجزئة هذه المواد أو إدماجها دون إضافة نصوص جديدة إلى المشروع .

 وكون هذا التعديل بصورة مختلفة تعديلاً تكميلياً أو جزئياً يرد على اقتراح أصلي بمشروع قانون سبق تقديمه من الحكومة بمقتضى نص المادة (91) من الدستور في قولها " يعرض رئيس الوزراء مشروع كل قانون على مجلس النواب الذي له حق قبول المشروع أو تعديله أو رفضه وفي جميع الحالات يرفع المشروع إلى مجلس الأعيان ولا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلسان وصدق عليه الملك " فإنه (1) يجب تفريعاً على ذلك أن ترتبط هذه التعديلات ارتباطا عضوياً بالمشروع المطروح على مجلس الأمة في اجتماعه المشترك وأن يكون جزءاً من المسألة الكلية التي ينظمها المشروع ، فلا مساغ لإضافة نصوص جديدة لا تمت بصلة إلى الموضوع الذي تضمنه مشروع القانون ولا بد من التعديل بحدود المشروع ومقاصده ، الأمر الذي يترتب عليه عدم جواز إدخال تعديلات أو إضافات ليست له أو لا تتسع له دائرة العلاقات القانونية التي قصد المشرع تنظيمها سواء في مضمونها أو أهدافها وإلا كان ذلك استعمالا من مجلس الأمة لسلطاته استعمالا لا تربطه بالغاية التي يهدف الدستور إلى تحقيقها أية رابطة منطقية واضحة ، وإلا انطوت هذه التعديلات في حقيقتها على اقتراح بقانون صدر من مجلس الأمة استقلالا عن المشروع المقدم اساساً من مجلس الوزراء ، وهو أمر محظور على المجلس ممارسته .

إذ كان هذا هو الأصل الذي يجب الحرص عليه دوماً ، إلا أنه يجوز أن يتناول التعديل مواد أخرى وردت في القانون الأصلي ولم يرد ذكرها في مشروع القانون المحال إليه تحت طائلة تخطى مجلس الأمة لحدوده الدستورية واقتحاما منه في منطقة حرمها الدستور عليه ، ذلك إن اختصاصه في هذا المقام هو اختصاص حصري بالإضافة إلى كونه تكميلياً أو جزئياً ، وبعبارة أخرى أن الاقتراح بتعديل قانون هو اقتراح بقانون صادر عن مجلس الوزراء بمقتضى المادة (91) من الدستور وغير جائز صدوره عن مجلس الامة إلا في حالة حصرية ورد النص عليها في المادة (95/1) من الدستور في قولها – " 1- يجوز لعشرة أو أكثر من أعضاء أي من مجلسي الأعيان والنواب أن يقترحوا القوانين ويحال كل اقتراح على اللجنة المختصة في المجلس لإبداء الراي ، فإذا رأى المجلس قبول الاقتراح أحاله على الحكومة لوضعه في صيغة مشروع قانون وتقديمه للمجلس في الدورة نفسها أو في الدورة التي تليها .

2- كل اقتراح بقانون تقدم به أعضاء أي من مجلسي الأعيان والنواب وفق الفقرة السابقة ورفضه المجلس لا يجوز تقديمه في الدورة نفسها.

وعوداً على بدء اقول أنه إذا كان الأصل يقضي بعدم جواز أن تتناول التعديلات مواد أخرى لم يرد لها ذكر أصلاً في مشروع القانون ما لم يكن تعديلها نتيجة ضمنية لازمة لتعديل المواد المحالة إليه.

وبعبارة أكثر وضوحاً أنه إذا كان من مقتضى التعديلات التي يلحقها مجلس الأمة بمشروع القانون في النطاق الذي تم إيضاحه في سياق ما تقدم ، فإني أميل إلى القول بأن لمجلس الأمة الاضطلاع – استثناء – بتعديل مواد ورد ذكرها في القانون الأصلي إن كان هناك قانون أصلي – ولم يرد لها ذكر في مشروع القانون ، باعتبار أن هذا التعديل لا يعدو أكثر من كونه أثراً حتمياً مباشراً للتعديلات التي يدخلها حتى تنسق النصوص مع بعضها البعض وينسجم القانون مع ذاته على أن يراعى في ذلك أن يكون إعمال هذا التعديل بقدر وفي أضيق الحدود .

وليس ما أقول به إلا تطبيقاً لدواعي الضرورة كمبدأ تقره الدساتير والقوانين كافة.