الحكم رقم (7) لسنة (2025)
في الطعن رقم (4) لسنة (2025)
الصادر عن المحكمة الدستورية باسم صاحب الجلالة
الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم ملك المملكة الأردنية الهاشمية
برئاسة الرئيس السيد/ محمد الغزو وعضويــة السادة: تغريد حكمــت، د. ميساء بيضــون، "محمد طـلال" الحمصـي، هاني قاقيــش، محمد إسعيّد، حسين القيسي، باسل أبو عنزه ، محمد السحيمات.
في الطعن المقدم من الطاعن عبد الرحيم إبراهيم أحمد زيتاوي (وكيله المحامي الدكتور ليث كمال نصراوين) بعدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 وتعديلاته، بمجمله لمخالفته نصوص المواد (6/1 و 3 و 5 و 7)، (7)، (16)، (19)، (23)، (120)، (128/1) من الدستور.
بعد الاطلاع على جميع أوراق الدعوى، يتبين أنه بتاريخ 12/3/2018 قرر رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، إحالة الملف التحقيقي المتعلق بالاتفاقيات التي أبرمها مجلس نقابة المعلمين الأردنيين مع شركات التأمين الصحي لعامي (2013و2014) إلى مدعي عام هيئة النزاهة ومكافحة الفساد؛ لإجراء المقتضى القانوني.
وبعد الإحالة، واستكمال إجراءات التحقيق من المدعي العام لدى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، أصدر قرار الظن رقم (92/2020)، بتاريخ 6/8/2020، المتضمن )الظن على المشتكى عليهم:
1- حسام أحمد إبراهيم مشه. 10- أيمن أحمد عبده العكور. 19- جهاد محمد حسين الصمادي.
2- فراس محمود محمد الخطيب. 11- سامي ضيف الله عليان أبو يحيى. 20- طارق يوسف محمود البستنجي.
3- إبراهيم صالح هلال الحميدي. 12- عبد الرحيم إبراهيم أحمد زيتاوي. 21- غالب أحمد ذيب المشاقبة.
4- جهاد زكي محمد الشرع. 13- نضال خليل بشير المشاعلة. 22- عبد الرحمن فنخير عطالله الرويشد الزبن 5- باسل حمد محمود الحروب. 14- محمد أحمد عبد الله المسيعدين. 23- هدى حسين محمد العتوم.
6- نعيم عبد القادر علي عامر. 15- أمجد محمد حسن البدوي. 24- نقابة المعلمين الأردنيين.
7- عبير داود عباس الأخرس. 16- محمود لافي ودي الشعيري الجبور. 25- الشركة الوطنية لإدارة
8 -مصطفى خليل شحادة الحنيفات 17- يوسف إبراهيم علي المساعيد التأمينات الصحية (نات هلث).
9- ضيف الله عيد حطاب الشرفات 18- ناصر سلامة عقلة نواصرة. 26- شركة غلوب مد الأردن.
بالجرائم المسندة إليهم، والمتمثلة بـ:
1. جنحة إساءة استعمال السلطة خلافاً لأحكام المادة (23 / أ) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المادة (16/ أ) من ذات القانون والمواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادة (182) من قانون العقوبات (بالنسبة للمشتكى عليهم من الأول ولغاية الرابع والعشرين).
2. جنحة هدر المال العام خلافاً لأحكام المادة (23/ أ) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المادة (16/أ/5) من ذات القانون والمواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية (بالنسبة للمشتكى عليهم جميعاً)، ولزوم محاكمتهم عنها أمام محكمة صلح جزاء عمان صاحبة الصلاحية والاختصاص).
تم قيد الدعوى لدى محكمة صلح جزاء عمان بالرقم (10919/2020) وبعد استكمال إجراءات المحاكمة أصدرت المحكمة حكمها بتاريخ 12/12/2022 والمتضمن:
(1-عملاً بأحكام المادة (178) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إعلان عدم مسؤولية الظنين (نقابة المعلمين الأردنيين) عن جرم إساءة استعمال السلطة وفقاً لأحكام المادة (182) من قانون العقوبات وبدلالة المواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (6) و (23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وجرم هدر المال العام وفقاً للمادتين (16) و (23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المواد (2 و 3 و4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (16 و23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد.
2- عملاً بأحكام المادة (178) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إعلان عدم مسؤولية الأظناء (باستثناء شركة غلوب مد وشركة نات هلث) عن جرم إساءة استعمال السلطة وفقاً لأحكام المادة (182) من قانون العقوبات وبدلالة المواد (2و3و4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (16و23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد.
3- عملاً بأحكام المادة (178) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إعلان عدم مسؤولية الأظناء أعضاء المجلس في دورته الأولى وغير الموقعين أو المتحفظين على قرار الدورة الثانية (طارق البستنجي/ غالب المشاقبة/ باسل الحروب/ ضيف الله الشرفات/ هدى عتوم/ عبد الرحيم زيتاوي/ نضال المشاعلة/ فراس خطيب/ مصطفى حنيفات/ نعيم عامر/ ناصر نواصرة/ إبراهيم الحميدي) عن جرم هدر المال العام وفقاً للمادتين (16 و 23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المواد (2 و 3 و4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (16 و 23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد.
4- عملاً بأحكام المادة (178) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إعلان براءة الظنين (عبدالرحمن فنخير الزبن) عن جرم إساءة استعمال السلطة وفقاً لأحكام المادة (182) من قانون العقوبات وبدلالة المواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (6 و23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وجرم هدر المال العام وفقاً للمادتين (16 و 23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المواد (2 و3و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (16 و23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد لعدم كفاية الدليل القانوني بحقه
5-- عملاً بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة الأظناء (جهاد الصمادي/ جهاد الشرع / يوسف المساعيد / أيمن العكور/ عبير الأخرس / محمود الشعيري (الجبور) / أمجد البدوي / سامي أبو يحيى/ محمد المسيعدين/ حسام مشة / شركة غلوب مد الأردن/ الشركة الوطنية لإدارة التأمينات الصحية (نات هلث) عن جرم هدر المال العام وفقاً للمادتين (16 و23) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وبدلالة المواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (16و23) من قانون النزاهة ومكافحه الفساد والحكم على كل واحد منهم بالغرامة (3000) دينار والرسوم .
6- عملا بأحكام المادة (23/ج/1) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد إعلان بطلان الاتفاقيات (العقود) المبرمة ما بين الأظناء شركة غلوب مد والشركة الوطنية لإدارة التأمينات (نات هلث) ونقابة المعلمين.
7- عملاً بأحكام المادة (4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادتين (42) و (43) من قانون العقوبات إلزام الأظناء:
- شركة غلوب مد الاردن مبلغ (178502) دينار .
- الشركة الوطنية لإدارة التأمينات (نات هلث) مبلغ (33586) دينار .
- الأظناء (جهاد الصمادي، وجهاد الشرع، ويوسف المساعيد وأيمن العكور، وعبير الأخرس، ومحمود الشعيري -الجبور-، وأمجد البدوي ، وسامي أبو يحيى، ومحمد المسيعدين ، وحسام مشة) بالتكافل والتضامن مبلغ (12405) دينار .
- بالتكافل والتضامن كافة النفقات الإدارية والقضائية للأظناء محل الإدانة .
- التأكيد على مضمون القرار الصادر بالدعوى بتاريخ 20/6/2022 والمتعلق بتمديد كف يد أعضاء مجلس نقابة المعلمين إلى حين صدور قرار حكم بات في هذه الدعوى وللغايات الواردة بالقرار المشار إليه والمتعلقة ببطلان الاتفاقيات والعقود المذكورة آنفاً).
لم يقبل الأظناء (باسل وهدى وناصر ونعيم وفراس وإبراهيم وأيمن وحسام وسامي وعبيـر) بهذا الحكم فطعنوا فيه استئنافاً لدى محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية، كما لم تقبل (شركة غلوب مد الأردن) بالحكم فتقدمت باستئنافٍ ثانٍ، ولم يقبل (ضيف الله الشرفات) بالحكم فتقدم باستئنافٍ ثالثٍ، ولم يقبل كذلك كل من (غالب وطارق ومحمود وأمجد ومحمد وجهاد ويوسف) فتقدموا باستئنافٍ رابعٍ، كما لم يقبل (جهاد زكي) بالحكم فتقدم باستئنافٍ خامسٍ، ولم تقبل (الشركة الوطنية لإدارة التأمينات الصحية) بالحكم فتقدمت باستئنافٍ سادسٍ، كما لم يقبل النائب العام بهذا الحكم فتقدم باستئنافٍ سابعٍ، وبتاريخ 27/4/2023 أصدرت محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية حكمها رقم (864/2023)، المتضمن:
(قبول الاستئنافات الأول والخامس والسابع موضوعاً وفسخ القرار المستأنف وإعادة الأوراق إلى محكمة الدرجة الأولى للسير في الدعوى وإصدار القرار وفق المقتضى القانوني).
بعد الفسخ والإعادة قيدت الدعوى مجدداً لدى محكمة صلح جزاء عمان بالرقم (9001/2023)، وخلال السير في إجراءات الدعوى، وبتاريخ 24/3/2025 تقدم المشتكى عليه عبد الرحيم زيتاوي بوساطة وكيله المحامي الدكتور ليث نصراوين بمذكرة تضمنت دفعاً بعدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 وتعديلاته، وطلب وقف السير في الدعوى، وإحالة الطلب إلى المحكمة الدستورية.
وبتاريخ 21/4/2025 أصدرت المحكمة قرارها المتضمن (وقف النظر في الدعوى ذات الرقم (9001/2023) وإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية وفق الأصول).
ورد الطعن إلى محكمتنا بتاريخ 22/4/2025، وقيد بالرقم (4 لسنة 2025).
تنفيذاً لمقاصد البندين (1و2) من الفقرة (ب) من المادة (12) من قانون المحكمة الدستورية، تم إرسال نسـخة من قرار الإحالة الصادر عن محكمة صلح جزاء عمان في الدعوى رقم (9001/2023) إلى كل من السادة:
- رئيس الوزراء.
- رئيس مجلس الأعيان.
- رئيس مجلس النواب.
بمقتضى الكتب المؤرخة في 22/4/2025.
ورد كتاب دولة رئيس الوزراء المؤرخ في 5/5/2025، مرفقاً به صورة عن مذكرة رئيس ديوان التشريع والرأي المؤرخة في 4/5/2025 ، التي انتهت إلى أن قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011، المطعون بعدم دستوريته قد جاء مخالفاً لأحكام المواد (6/1 و3) ، (7) ، (16) ، (19)، (23) ، (120)، (128/1) من الدستور ، ويخرق حرمة النصوص الدستورية ، ويتجاوز حدودها ويشكّل تعدياً على اختصاص السلطة التنفيذية ، وأن الأسباب التي قدّمت للطعن بعدم دستوريته تقوم على أساسٍ سليمٍ من الدستور والقانون، وطلب اعتبار ما ورد في المذكرة ردّاً على أسباب الطعن، استناداً إلى أحكام المادة (12/ ب / 2) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 وتعديلاته .
وبتاريخ 30/4/2025 قدم المحامي د . ليث نصراوين ، بصفته وكيلاً عن الطاعن عبد الرحيم إبراهيم زيتاوي مذكرة خطية تتضمن نطاق الدفع ووجه مخالفة الدستور ، طلب فيها بالنتيجة الحكم بإعلان عدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 .
وبتاريخ 30/4/2025 ، قدم بعض أطراف الدعوى ، وهم كل من : (غالب المشاقبة ، ومحمود الجبور، وأمجد البدوي ، ومحمد المسيعدين وجهاد الصمادي ، ويوسف المساعيد) بوساطة وكيلاتهم مذكرة حول الدفع بعدم الدستورية توصلتا فيها بالنتيجة إلى أن قانون نقابة المعلمين الأردنيين يتفق وأحكام الدستور ، وأن الدفع بعدم دستوريته لا محل له.
وبتاريخ 4/5/2025 ، قدم بعض أطراف الدعوى، وهم : (عبير الأخرس، وحسام مشه، وباسل الحروب، وإبراهيم الحميدي، وفراس الخطيب، ونعيم عامر، وأيمن عكور، وسامي أبو يحيى، وناصر نواصرة) بوساطة وكلائهم مذكرة حول الدفع بعدم الدستورية ، وتوصلوا فيها بالنتيجة إلى أن قانون نقابة المعلمين الأردنيين يتفق وأحكام الدستور ، وأن الدفع بعدم دستوريته لا محل له .
وبتاريخ 5/5/2025 ، قدم أحد أطراف الدعوى، وهي: (هدى حسين العتوم) بوساطة وكيليها مذكرة رد حول الدفع المقدم بعدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين طلبا فيها بالنتيجة قبولها شكلاً ورد الطعن بعدم دستورية هذا القانون .
بالتدقيق والمداولة، وبعد الإحاطة بأوراق الدعوى الدستورية الماثلة ، وما قدم فيها من مذكرات ودفوع نجد أنه :
من حيث الشكل : لقد استوفى الطعن بعدم الدستورية شروطه الشكلية ، وذلك من حيث تقديم مذكرة الدفع من محامٍ أستاذ، مستنداً إلى وكالته الخاصة المرفقة بمذكرة الدفع المبرزة في الدعوى الموضوعية ، التي تضمنت تقديم الدفوع بعدم الدستورية إلى محكمة الموضوع، والمرافعة أمام المحكمة الدستورية ، واستوفي الرسم عن الدفع بموجب الوصول رقم (5604918) تاريخ 24/3/2025.
ومن حيث المصلحة في تقديم الدفع بعدم الدستورية ، فإن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية ، ومناطها أن يكون الحكم في الطعن الدستوري لازماً للفصل في النزاع الموضوعي، وتتحقق هذه المصلحة إذا كان القانون أو النظام المطعون بعدم دستوريته، واجب التطبيق على النزاع موضوع الدعوى الموضوعية ، وأن من شأن تطبيقه إلحاق الضرر بمن يدفع بعدم دستوريته، فلا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء تطبيق النص المطعون بعدم دستوريته سواء أكان هذا الضرر وشيكاً أم أنه قد وقع فعلاً.
ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، وهو أمر متحقق في الطعن الماثل، ذلك أن الطاعن (عبد الرحيم زيتاوي) قد أحيل هو وآخرون للمحاكمة أمام محكمة صلح جزاء عمان عن جنحتي:
-إساءة استعمال السلطة خلافاً لأحكام المادة (23/ أ) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد، وبدلالة المادة (16/ أ) من ذات القانون، والمواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادة (182) من قانون العقوبات.
-هدر المال العام خلافاً لأحكام المادة (23 / أ) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد ، وبدلالة المادة (16/ أ /5) من ذات القانون والمواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية.
واستناداً إلى تعريف الموظف الوارد في الفقرة (أ) من المادة (2) من قانون الجرائم الاقتصادية رقم (11) لسنة 1993 وتعديلاته، التي تنص على ما يأتي:
" تشمل كلمة موظف لأغراض هذا القانون كل موظف أو مستخدم أو عامل معين من المرجع المختص بذلك في أي جهة من الجهات المنصوص عليها في الفقرة (ب) من هذه المادة، كما تشمل رؤساء وأعضاء مجالس الجهات الواردة في البنود (3 إلى 8) من الفقرة (ب) من هذه المادة وكل من كلف بخدمة عامة بأجر أو بدون أجر".
ونجد أن الفقرة (ب) من المادة ذاتها حددت الجهات التي تدير المال العام، ومن ضمنها ما ورد في البند (4) منها، وهي النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي.
وجاء في البند (5) من الفقرة (أ) من المادة (16) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة 2016 وتعديلاته، أنه:" أ. يعتبر فساداً لغايات هذا القانون ما يلي:
- كل فعل، أو امتناع، يؤدي إلى هدر الأموال العامة أو أموال الشركات المساهمة العامة أو الشركات غير الربحية أو الجمعيات".
وبناءً عليه، فإن ما أسند للطاعن من جنح في القضية الصلحية الجزائية رقم (10919/2020) التي تفرع عنها القضية الصلحية الجزائية رقم (9001/2023) يتعلق بالمواد المشار إليها من قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة 2016 وتعديلاته، وقانون الجرائم الاقتصادية رقم (11) لسنة 1993 وتعديلاته، ويطبق تبعاً لذلك أحكام قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 ، بدلالة المواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية، والمادة (16/أ/5) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد، الأمر الذي تتوافر معه مصلحة الطاعن في الدعوى الدستورية الماثلة.
وقبل البحث في موضوع الطعن ، تجدر الإشارة إلى أن المجلس العالي لتفسير الدستور سبق له أن أصدر القرار رقم (1) لسنة 1994، تاريخ 4/6/1994 ، الذي توصل فيه إلى أن (الأحكام الدستورية لا تجيز إصدار قانون لنقابة المعلمين الموظفين العموميين) والقرار رقم (1) لسنة 2011، تاريخ 28/3/2011، الذي توصل فيه إلى (أن أحكام المادة (23) من الدستور تجيز تشكيل نقابة للمعلمين العاملين بمهنة التعليم بقطاعاتها المختلفة على غرار نقابات الأطباء والمهندسين وأطباء الأسنان والصيادلة والمهندسين الزراعيين وغيرها من النقابات).
وقد صدر عن محكمتنا لاحقاً قرار التفسير رقم (6) لسنة 2013 ، تاريخ 24/7/2013 ، الذي توصلت فيه إلى أنه (يجوز للموظفين في أي وزارة أو دائرة أو هيئة أو مؤسسة حكومية أن ينشئوا نقابة خاصة لهم حتى وإن كانوا من الموظفين التابعين لنظام الخدمة المدنية، وبغض النظر عما إذا كان لهم مثيل في القطاع الخاص خارج إطار الحكومة أم لا على أن يتم ذلك بموجب تشريع أو تشريعات تصدر لهذه الغاية وفقاً لما تراه السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في التشريع).
ومحكمتنا، إذ تبحث مسألة دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين، فإنها ليست غافلة عن تلك القرارات، وإنما تهدف وصيانةً لأحكام الدستور، إلى إعادة بحث هذه المسألة لوضع الأمور في نصابها الدستوري الصحيح، مرتكزة على المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء الدستوري.
وفي الموضوع: نجد أن الطاعن ينعى على قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011، وتعديلاته، بمخالفته المواد (6/1 و 3 و5 و 7) ، (7) ، (16) ، (19) ، (23) ، (120)، (128/1) من الدستور، التي تنص على ما يأتي :
المادة (6) :
"1. الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
2.................
3. تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين .
4.................
5. يحمي القانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويعزز مشاركتهم واندماجهم في مناحي الحياة المختلفة، كما يحمي الأمومة والطفولة والشيخوخة ويرعى النشء ويمنع الإساءة والاستغلال.
6..............
7. تكفل الدولة تعزيز قيم المواطنة والتسامح وسيادة القانون وتكفل ضمن حدود إمكانياتها تمكين الشباب في المساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنمية قدراتهم ودعم ابداعاتهم وابتكاراتهم".
المادة (7) :
"1. الحرية الشخصية مصونة.
2. كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون".
المادة (16):
"1. للأردنيين حق الاجتماع ضمن حدود القانون.
2. للأردنيين حق تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور.
3. ينظم القانون طريقة تأليف الجمعيات والنقابات والاحزاب السياسية ومراقبة مواردها".
المادة (19) :
"يحق للجماعات تأسيس مدارسها والقيام عليها لتعليم أفرادها على أن تراعي الأحكام العامة المنصوص عليها في القانون وتخضع لرقابة الحكومة في برامجها وتوجيهها".
المادة (23):
"1. العمل حق لجميع المواطنين وعلى الدولة أن توفره للأردنيين بتوجيه الاقتصاد الوطني والنهوض به.
2. تحمي الدولة العمل وتضع له تشريعاً يقوم على المبادئ الآتية :
أ. إعطاء العامل أجراً يتناسب مع كمية عمله وكيفيته.
ب. تحديد ساعات العمل الأسبوعية ومنح العمال أيام راحة أسبوعية وسنويّة مع الأجر.
ج. تقرير تعويض خاص للعمال المعيلين، وفي أحوال التسريح والمرض والعجز والطوارئ الناشئة عن العمل.
د. تعيين الشروط الخاصة بعمل النساء والاحداث.
ه. خضوع المعامل للقواعد الصحية.
و. تنظيم نقابي حر ضمن حدود القانون".
المادة (120):
"التقسيمات الإدارية في المملكة الأردنية الهاشمية وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها وأسماؤها ومنهاج إدارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك".
المادة (128/1):
"لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها".
لقد استقر الفقه والقضاء الدستوري على مبدأ سموّ الدستور، وهو بهذه الصفة يعلو على ما سواه من التشريعات، ويرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، كما يقرر الحقوق والحريات العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها ، ويرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات الذي يحدد لكل سلطة من السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وظائفها وصلاحياتها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى، أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصها الذي حدده الدستور لها.
إنّ نصوص الدستور تتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام؛ لأنها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعاتها دون أي تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها بين السلطات العامة الثلاث.
ومن المقرر فقهاً وقضاء أن مناط تقرير دستورية التشريع، أو عدم دستوريته عند إعمال الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، هو مشروعية هذا التشريع، وعدم مخالفته قواعد الاختصاص الواردة في الدستور، ومدى توافق أو تعارض نصوصه وأحكام الدستور ومقتضياتها؛ لأنها قواعد ملزمة غير قابلة للتهميش أو التجريد من آثارها أو الإخلال بمقتضياتها.
وحيث إن الأصل في نطاق الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة أنها رقابة شاملة تتناول جميع أوجه العوار الدستوري، وأياً كانت المطاعن سواء وجهت إلى العيوب الشكلية التي تقوم على مخالفة التشريع للأوضاع الإجرائية التي تطلبها الدستور سواء في ذلك ما كان منها متصلاً باقتراح النصوص التشريعية، أو إقرارها، أو إصدارها، أو ما كان منها متعلقاً بالشروط التي يفرضها الدستور؛ لمباشرة الاختصاص بإصدارها، أو إلى العيوب الموضوعية التي تقوم على مخالفة نص تشريعي للدستور.
وإن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية غايتها رد النصوص التشريعية المطعون فيها الى قواعد الدستور، وسبيلها في ذلك ان تفصل بأحكامها النهائية في الطعون الواردة اليها، شكلية كانت او موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها الموضوعية. فلا تخوض فيها قبل تقصيها للأوضاع الشكلية، إذ إن الأوضاع الشكلية التي استلزم الدستور إفراغ النصوص القانونية فيها ، تعدّ من مقوماتها التي لا يكتمل لهذه النصوص كيانها من دونها، ولا تقوم إلا بها، ولا يكتمل بنيانها أصلاً في غيبتها، وتتحدد دستورية الأوضاع الشكلية للتشريع في ضوء ما قررته في شأنها أحكام فرضها الدستور، ذلك أن ضوابط تطبيق الأوضاع الشكلية التي يتطلبها الدستور في النصوص القانونية، يقتضي أن تستوثق المحكمة من انتفاء كل مخالفة لهذه الأوضاع أيا كان وجهها أو موقعها من الدستور.
لقد أخذ الدستور في المواد من (24 - 27) بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، بحيث أناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك، والسلطة التنفيذية بالملك الذي يتولاها بواسطة وزرائه، والسلطة القضائية بالمحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها، وتجسيداً لهذا المبدأ، وزع الاختصاصات بين هذه السلطات. وحدد لكل منها وظائفها وصلاحياتها، ووضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى، أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي حددها الدستور لها، أو تفويضها لغيرها من السلطات، إلا بنص صريح في الدستور.
وقضى المشرع الدستوري أن تمارس كل سلطة صلاحياتها التي أوكلها إليها الدستور، بحيث لا تتجاوز سلطة على صلاحيات سلطة أخرى، وكذلك تلتزم كل سلطة حدود اختصاصها الذي حدده الدستور لها. لذا لا يجوز إضافة أي اختصاصات جديدة لأي سلطة غير تلك التي نص عليها الدستور، كما أنه لا يجوز التعدي على الصلاحيات الممنوحة لأي سلطة أو الانتقاص منها أو مشاركة أي جهة أخرى فيها ، وإلا شكّل هذا التجاوز افتئاتاً من سلطةٍ على أخرى ، وإخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطات.
ولما كانت المادة (120) من الدستور تشكل قاعدة عامة أناطت بالسلطة التنفيذية، دون غيرها ، صلاحية التشريع في أمور أشارت إليها ، ومنها إصدار أنظمة تحدد كيفية تعيين الموظفين، وعزلهم والإشراف عليهم، وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم ، فإن مقتضى ذلك أن الدستور لم يعقد لسلطة أخرى، غير السلطة التنفيذية، اختصاصاً بإصدار القواعد المنظمة لأوضاع الموظفين ، من حيث كيفية تعيينهم ، وعزلهم ، والإشراف علهم ، وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم .
ولما كان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تفسير نصوص الدستور يكون باعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضا ، فلا يفسر نص منه بمعزل عن نصوصه الأخرى ، وإنما يكون متسانداً معها بما يقيم بينها التوافق، وينأى بها عن التعارض، فالأصل في النصوص الدستورية أنها تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجاً متآلفاً .
لقد نصت المادة (6/3) من الدستور على أن " تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين" ، ويعدُّ التعليم رسالة سامية ومهنة نبيلة لها قواعدها الأخلاقية والمهنية التي تعزز مكانة المعلم الاجتماعية والعلمية ؛ نظراً لأهمية دوره في بناء الإنسان والمجتمع ، وتكفل الدولة التعليم من خلال وزارة التربية والتعليم استناداً إلى قانون التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1994 وتعديلاته ، والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه ، وذلك بإنشاء المؤسسات التعليمية الحكومية ورفدها بالكوادر البشرية المؤهلة ، وتوفير متطلبات العملية التربوية وتوجيه الإمكانات لتأمين الحياة الكريمة للمعلم، وتهيئة الظروف والعوامل المحفزة التي تساعده على توجيه جهوده وقدراته لتحقيق أهداف العملية التربوية وغاياتها ، وتقديم كل ما من شأنه رفع مكانة المعلم ، والسمو بهذه المهنة النبيلة ، بما في ذلك إنشاء نوادٍ وصناديق للإسكان والضمان الاجتماعي ، وأي فعالية تعود على العاملين بالنفع العام .
وإن المادة (120) من الدستور لم يطرأ عليها أي تعديل منذ وضع الدستور عام 1952 ، وإن المشرع الدستوري، وإن كان بموجب التعديلات الدستورية لعام 2011 قد أدخل عبارة (والنقابات) إلى المادة (16/2) فإن هذا التعديل لا يؤثر في الحكم الخاص الوارد في المادة (120) منه التي أناطت مسائل التقسيمات الإدارية في المملكة وسائر شؤون الموظفين بالسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء، وأن مؤدى ذلك أن الدستور حصر حق التشريع في المسائل المتعلقة بالموظفين من حيث التعيين والعزل والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم بالسلطة التنفيذية التي تمارس هذه الصلاحية بموجب أنظمة تصدرها لهذه الغاية، فإذا سكت المشرع الدستوري عن مسألة معينة ضمن أحكام المادة (120) من الدستور، فإن مقتضى ذلك عدم جواز التوسع بتفسير هذا النص أو تطبيقه، استناداً إلى مبدأ فقهي دستوري مؤداه إذا أراد المشرع الدستوري قال وإذا سكت منع)، والقصد من هذا المبدأ منع التوسع في التأويل، واحترام إرادة المشرع الدستوري، وعدم استحداث قواعد دستورية غير منصوص عليها صراحة، بالإضافة إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تلتزم كل من سلطات الدولة بما حدده الدستور لها من اختصاصات.
وفي ضوء ما تقدم، وبحدود الطعن الماثل، فإن حكم النص الخاص الوارد في المادة (120) من الدستور المتعلق بالموظفين يؤخذ به في الحدود التي ورد فيها، ذلك أن إطلاقه يعدّ خروجاً عن إرادة المشرع الدستوري، وبما أن الدستور قد حصر التشريع في الأمور المتعلقة بالموظفين بالسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء، فإن السلطة التشريعية لا تملك حق التشريع في المسائل المتعلقة بالموظفين إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطات، فإذا قامت السلطة التشريعية بتجاوز حدود صلاحياتها، وتناولت هذه المسائل بالتشريع، فإن القانون الذي تصدره بهذا الشأن يكون مخالفاً للدستور.
وعليه، فإن السلطة التشريعية بإصدارها قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 قد تجاوزت حدود صلاحياتها المنصوص عليها في الدستور معتدية على الاختصاص الحصري للسلطة التنفيذية الوارد في المادة (120) من الدستور، مما يعد انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات يستوجب إعلان عدم دستورية القانون المشار إليه برمته.
لهذا، نقرر عدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم (14) لسنة 2011 وتعديلاته، واعتباره باطلاً من تاريخ صدور هذا الحكم.
حكماً صدر في اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم لعام 1447 هجري
الموافق لليوم السابع عشر من شهر تموز لعام 2025 ميلادي